كتب -اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني - لم يكن قرار فرنسا حظر دخول وزير الأمن القومي الصهيوني إيتمار بن غفير إلى أراضيها مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل جاء تتويجًا لمسار طويل من التحريض والتطرف والممارسات التي جعلت من الرجل أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل داخل دولة الكيان وخارجها. فبن غفير، الذي نشأ سياسيًا في أحضان اليمين الصهيوني الديني المتطرف، يُعد امتدادًا فكريًا لتيار الحاخام المتشدد مائير كاهانا، مؤسس حركة "كاخ" المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية. هذه الحركة الإرهابية التي تأسست في أوائل السبعينيات وتدعو الى تطبيق سياسات عنصرية متطرفة تشمل قتل وطرد الفلسطينيين من الأراضي المحتلة.
وعلى مدى سنوات، ارتبط اسم بن غفير بالدعوات إلى توسيع الاستيطان وتشديد القبضة الأمنية على الفلسطينيين والتحريض ضدهم، إلى جانب دعمه العلني لسياسات العقاب الجماعي وهدم المنازل والتنكيل بالأسرى. كما تحوّل إلى أحد أبرز رموز اقتحام المسجد الأقصى والدعوة إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم فيه، ضمن مشروع اليمين الديني الساعي إلى فرض وقائع جديدة وتهويد الحرم القدسي تدريجيًا.
ولم يعد الرجل يُنظر إليه في الأوساط الحقوقية والسياسية بوصفه مجرد سياسي متشدد، بل كأحد أبرز الوجوه المرتبطة بخطاب الإقصاء والكراهية واستخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين، وهي ممارسات تعتبرها الجهات الدولية لحقوق الإنسان جرائم حرب وانتهاكات للقانون الدولي الإنساني.
إهانة الأسرى والنشطاء: الشرارة التي فجّرت الغضب الأوروبي
جاء القرار الفرنسي بعد قيام بن غفير بنشر وتوثيق مقاطع فيديو ظهر فيها وهو يسخر من نشطاء "أسطول الصمود العالمي"عقب احتجازهم وتكبيلهم من قبل جنود الإحتلال بطريقة مهينة، بينهم مواطنون فرنسيون وأوروبيون. ولم تنظر إلى الواقعة باعتبارها مجرد استعراض سياسي، بل كإهانة مباشرة لمواطنين أوروبيين على يد وزير مسؤول عن جهاز أمني رسمي.
وهنا انتقلت القضية، بالنسبة لباريس، من إطار الخلاف السياسي التقليدي إلى مسألة كرامة وطنية وأخلاقية تتعلق بمواطنيها، خاصة أن الإذلال العلني للمحتجزين وتحويل معاناتهم إلى مادة دعائية سياسية اعتُبر تجاوزًا للقيم التي تدّعي أوروبا الدفاع عنها.
الضفة الغربية والأقصى: سجل ثقيل من التحريض والانتهاكات
لم يأتِ الغضب الدولي تجاه بن غفير من حادثة "الأسطول" وحدها، بل من تراكم طويل للمواقف والسياسات التي ارتبطت باسمه. ففي الضفة الغربية، يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز الداعمين لتوسيع الاستيطان وتشديد القبضة الأمنية على الفلسطينيين، في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعدًا غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين والاقتحامات العسكرية وسقوط الضحايا المدنيين. كما ارتبط اسمه بالدفاع عن سياسات العقاب الجماعي وهدم المنازل والتحريض ضد الفلسطينيين.
أما في القدس، فقد شكّلت اقتحاماته المتكررة للمسجد الأقصى ودعوته إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم فيه استفزازًا دائمًا للفلسطينيين والعالم الإسلامي، ضمن مشروع اليمين الديني الساعي إلى فرض وقائع جديدة وتهويد الحرم القدسي تدريجيًا.
قانون إعدام الأسرى: الوجه الأكثر دموية لعقيدة بن غفير
ويبرز مشروع قانون "إعدام الأسرى الفلسطينيين"، الذي أقره الكنيست الصهيوني مؤخرا، بوصفه أحد أكثر تجليات فكر بن غفير تطرفًا، إذ جعله شرطًا أساسيًا لدخوله التحالف الحكومي مع بنيامين نتنياهو، مروجًا لما يسميه "الردع المطلق" عبر الإعدام بدل السجن. وقد ترافق ذلك مع تشديده الإجراءات ضد الأسرى الفلسطينيين وتقليص حقوقهم داخل السجون، في سياسة قائمة على الإذلال والعقاب الجماعي.
واللافت أن معارضة ممارسات بن غفير المتطرفة لم تقتصر على المنظمات الحقوقية الدولية، بل صدرت أيضًا عن جهات أمنية وقانونية داخل دولة الكيان حذّرت من أن هذه السياسات ستزيد من العنف، وتدفعتل أبيب نحو مزيد من العزلة والملاحقات المرتبطة بجرائم الحرب وانتهاكات القانون الدولي.
فرنسا تسقط "الحصانة السياسية" عن اليمين المتطرف الإسرائيلي
يحمل القرار الفرنسي دلالة سياسية وأخلاقية تتجاوز شخص بن غفير نفسه، إذ يعكس تحولًا متدرجًا في الموقف الأوروبي تجاه وزراء اليمين الصهيوني المتطرف. فباريس أرادت أن تقول إن الصفة الوزارية لم تعد تمنح حصانة أخلاقية أو سياسية لشخصيات متهمة بالتحريض والتطرف وانتهاك القيم الإنسانية الأساسية.
كما أن فرنسا حاولت التمييز بين موقفها من إسرائيل كدولة وبين موقفها من بعض الشخصيات داخل حكومتها الحالية. فالدعم التقليدي للدولة الصهيونية لم يعد يعني، بالنسبة لقطاعات متزايدة داخل أوروبا، القبول بكل ما يصدر عن وزراء يتبنون خطابًا دينيًا وقوميًا متشددًا.
التحرك الأوروبي بدأ بالفعل
القرار الفرنسي لا يبدو معزولًا عن سياق أوروبي أوسع. فقد أعلنت بولندا فرض حظر دخول على بن غفير، فيما تتحرك إيطاليا وإسبانيا باتجاه الدفع نحو عقوبات أوروبية جماعية، بينما استدعت بريطانيا أعلى دبلوماسي إسرائيلي لديها احتجاجًا على الواقعة نفسها.
وهذا يعني أن أوروبا بدأت، ولو تدريجيًا، بإعادة تعريف علاقتها مع بعض رموز الحكومة الصهيونية الحالية، والتعامل معهم بوصفهم شخصيات غير مرغوب فيها سياسيًا وأخلاقيًا، لا مجرد مسؤولين يمثلون دولة حليفة.
نتنياهو بين التحالف الداخلي والعزلة الدولية
تضع هذه التطورات رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، يعتمد بقاؤه السياسي على تحالفه مع أحزاب اليمين الديني والقومي المتطرف، وعلى رأسها حزب بن غفير، ومن جهة أخرى، فإن استمرار هذا التحالف يدفعتل أبيب نحو عزلة متزايدة حتى داخل العواصم الغربية التقليدية الداعمة لها.
ومع كل خطوة أوروبية جديدة ضد شخصيات متطرفة في حكومة الإحتلال، تتعزز القناعة بأن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالحرب على غزة أو بالخلافات السياسية التقليدية، بل بطبيعة الخطاب الذي يحكم الدولة الصهيونية اليوم، وبصعود شخصيات ترى في القوة والإذلال والاستفزاز وكسر القوانين الدولية أدوات مشروعة للحكم والسيطرة.
تحول أعمق من مجرد قرار منع دخول
قد لا يُسقط هذا القرار الفرنسي أو الأوروبي الحكومة الصهيونية، لكنه يكشف تحولًا عميقًا في صورة دولة الكيان داخل الغرب نفسه. فحين تبدأ عواصم أوروبية بالتعامل مع وزراء إسرائيليين باعتبارهم "أشخاصًا غير مرغوب فيهم"، فإن ذلك يعني أن اليمين الصهيوني المتطرف لم يعد يُنظر إليه كتيار سياسي داخلي، بل كحالة تهدد القيم التي يدّعي الغرب الدفاع عنها.
ولهذا، فإن منع بن غفير من دخول فرنسا لا يمكن قراءته كإجراء بروتوكولي محدود، بل كبداية مرحلة جديدة تتآكل فيها الحصانة السياسية والأخلاقية التي تمتعت بها الحكومات الصهيونية لعقود طويلة داخل الغرب.
