كتب- زياد فرحان المجالي
ليست معضلة الاتفاقات الكبرى في لحظة التوقيع عليها، بل في السرديات التي تُنسج حولها قبل أن تجف أحبار نصوصها الرسمية. ففي المساحات الفاصلة بين الحرب والتسوية، لا يدور الصراع على البنود التقنية وحدها، بل على "معنى” هذه البنود: مَن انتصر؟ مَن تراجع؟ مَن دفع الثمن؟ ومَن يملك مشروعية صياغة البيان الختامي؟
من هذه الزاوية تحديدًا، ينبغي قراءة ما يتردد في الكواليس الدولية حول الاتفاق الأميركي ـ الإيراني المحتمل؛ لا بوصفه مجرد تفاهم سياسي أو أمني أو نووي، بل باعتباره "معركة سردية” مفتوحة على كل الاحتمالات. فحين لا يبدو الاتفاق منجزًا عسكريًا أميركيًا خالصًا، تنطلق ماكينات التأويل للبحث عن "نصر بديل”: نصر اقتصادي، أو تفاهمات سرية، أو بنود غير معلنة تُقدَّم للرأي العام بوصفها الثمرة الحقيقية للحرب والضغط.
وقد يكون ترامب مدفوعًا بهاجس الظهور كرجل الصفقة الكبرى، لا كرئيس تورّط في حرب طويلة بلا نهاية واضحة. فهو، في تركيبته السياسية والإعلامية، لا يحب أن يظهر بمظهر من يوقف حربًا دون مقابل، أو يذهب إلى اتفاق لا يستطيع بيعه لجمهوره بوصفه انتصارًا. لذلك تصبح الحاجة إلى صناعة خطاب نصر جزءًا من الاتفاق نفسه، لا مجرد ملحق دعائي له.
في هذا السياق، يمكن فهم الحديث عن مكاسب اقتصادية محتملة، أو تفاهمات حول النفط والطاقة والممرات، أو ترتيبات تتصل بمضيق هرمز، أو تحرير أموال، أو فتح مسارات تجارية، أو ضمانات أمنية غير معلنة. فكل هذه العناصر قد لا تكون، منفردة، نصرًا عسكريًا بالمعنى التقليدي، لكنها تشكل، مجتمعةً، البنية البديلة لخطاب نصر يمكن تسويقه داخليًا، حتى لو افتقر إلى الحسم العسكري التقليدي.
المفارقة أن إيران، بدورها، تحتاج إلى خطاب نصر موازٍ. فهي لا تستطيع أن تقدم أي تنازل بوصفه تراجعًا تحت الضغط، ولا أن تعود إلى طاولة التفاوض كطرف خضع للضربات والعقوبات. لذلك ستبحث طهران، كما تبحث واشنطن، عن صياغة تحفظ ماء الوجه: رفع جزئي للعقوبات، اعتراف بدورها في ترتيبات الملاحة، تثبيت حقها في التخصيب السلمي، أو الحصول على ضمانات تمنع تكرار الحرب. هنا لا يصبح الاتفاق مجرد نص قانوني، بل مسرحًا لغويًا دقيقًا، تُوزَّع فيه العبارات كما تُوزَّع المكاسب.
وهذا ما يجعل الاتفاق المحتمل، إن وُلد، أقرب إلى تسوية بين سرديتين متنافستين لا بين دولتين فقط. واشنطن ستقول إنها أوقفت الخطر الإيراني ومنعت التصعيد وفرضت شروطًا جديدة. وطهران ستقول إنها صمدت، وحمت سيادتها، وانتزعت اعترافًا بدورها، ومنعت تحويل الحرب إلى مشروع إسقاط أو إخضاع. وبين الروايتين، ستبقى الحقيقة معلّقة في المنطقة الرمادية: لا انتصار كامل، ولا هزيمة كاملة، بل تسوية اضطرارية يحاول كل طرف أن يلبسها ثوب الانتصار.
الأخطر أن هذا النوع من الاتفاقات لا ينهي الصراع بالضرورة، بل يعيد ترتيبه. فقد تهدأ الجبهة العسكرية، لكن تشتعل جبهة التأويل. وقد يتوقف إطلاق النار، لكن تبدأ معركة تفسير ما حدث: هل كان الاتفاق نهاية الحرب، أم استراحة بين جولتين؟ هل كان اعترافًا أميركيًا بحدود القوة، أم اعترافًا إيرانيًا بحدود الصمود؟ وهل يمكن لتسوية تُبنى على حفظ ماء الوجه أن تصمد طويلًا إذا لم تعالج جذور الصراع؟
لهذا، فإن "النصر الخفي” ليس بالضرورة بندًا مكتوبًا في الاتفاق، بل هو القدرة على تسويق الاتفاق نفسه كإنجاز. قد يكون في صورة اقتصادية، أو وعد استثماري، أو فتح ممر، أو تخفيف عقوبات، أو صياغة غامضة تسمح لكل طرف أن يقول لجمهوره: لم نخسر. وفي السياسة، أحيانًا، لا يكون الانتصار فيما يتحقق فعليًا، بل فيما ينجح القائد في إقناع الناس بأنه تحقق.
في النهاية، قد لا يكون الاتفاق الأميركي ـ الإيراني، إذا اكتمل، لحظة حسم كبرى بقدر ما سيكون لحظة إخراج سياسي معقدة. فكل طرف سيحاول أن يخرج من الحرب حاملًا روايته الخاصة، لا جراحه فقط. وترامب سيبحث عن صورة "الرئيس الذي صنع الصفقة”، بينما ستبحث إيران عن صورة "الدولة التي صمدت ولم تنكسر”. أما الحقيقة الأعمق، فهي أن الحروب الكبرى حين تعجز عن إنتاج انتصار واضح، تترك للدبلوماسية مهمة أصعب: صناعة نصر قابل للتصديق، ولو كان خفيًا بين السطور.
