تتزايد الشكوك الدولية حول جدوى "مجلس السلام" الخاص بقطاع غزة، بعد أن كشفت صحيفة /فايننشال تايمز/ البريطانية أن الصندوق الذي أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تأسيسه لإعادة إعمار القطاع لا يزال فارغاً تماماً، رغم مرور أشهر على إطلاقه وتعهدات ضخمة قُدّرت بنحو 17 مليار دولار.

وبحسب الصحيفة التي أوردت تقريرها اليوم الأربعاء، فإن المجلس يعيش حالة من "الغموض القانوني والسياسي"، بينما لم يُودَع في صندوقه أي مبلغ من الجهات المانحة، سواء عبر آلية البنك الدولي أو عبر الحساب الخاص بالمجلس لدى بنك "جيه بي مورغان". ووفق أربعة مصادر مطلعة، "لم يتم إيداع أي دولار"، في وقت تتجاوز فيه بعض التبرعات القنوات الرسمية وتذهب مباشرة إلى حسابات المجلس، دون أن يظهر لذلك أثر فعلي على الأرض.

وتشير المعلومات إلى أن التحويلات المالية التي وصلت حتى الآن تكاد لا تُذكر: نحو 20 مليون دولار من المغرب لتمويل مكتب المدير العام للمجلس نيكولاي ملادينوف ورواتب اللجنة الفنية الفلسطينية، بينما لا يزال مبلغ 100 مليون دولار من الإمارات العربية المتحدة لتدريب قوة شرطة جديدة مجمداً. ولم يُستثمر دولار واحد في مشاريع إعادة الإعمار، ولم يُرسِ المجلس أي عقود، في ظل استمرار سيطرة الاحتلال على القطاع وعدم تسليم حركة حماس لسلاحها.

وفي شباط/فبراير الماضي، أبلغت "إسرائيل" الولايات المتحدة أنها لن تساهم مالياً في عمليات المجلس، فيما طُلب من الدول الأعضاء تغطية نفقاته التشغيلية. وأعلنت دول مثل قطر والإمارات استعدادها للمساهمة بأكثر من مليار دولار لكل منهما، لكن هذه التعهدات لم تتحول إلى أموال فعلية.

وتأتي هذه التطورات بعد ستة أشهر من تصويت مجلس الأمن على القرار 2803 الداعم للخطة الأمريكية. وخلال جلسة المجلس الأخيرة، قال مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا إن خطة السلام الأمريكية "لا تزال في معظمها حبراً على ورق"، وإن الإنجازات المعلنة "مجرد غطاء لواقع مزرٍ في القطاع". وأشار إلى أن إسرائيل حصلت على ما تريده من بنود تتعلق بالأسرى وجثامين القتلى، بينما بقيت البنود الأخرى دون تنفيذ.

وفي ظل غياب التمويل وغياب سلطة واضحة للمجلس على الأرض، تتزايد التساؤلات حول مستقبل هذا الكيان الذي كان يُفترض أن يقود مرحلة إعادة الإعمار في غزة.

و"مجلس السلام العالمي لغزة" هو هيئة دولية جديدة أُعلن عنها في كانون الثاني/يناير 2026 بقيادة الولايات المتحدة، ضمن مشروع سياسي أوسع يعمل عليه الرئيس ترامب لتشكيل "نادي عالمي" موازٍ للمؤسسات الدولية التقليدية، وعلى رأسها الأمم المتحدة. ويُقدَّم المجلس باعتباره "المرحلة الثانية" من خطة سلام شاملة، تنتقل من "وقف إطلاق النار" - في إشارة إلى حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة - إلى نزع سلاح المقاومة والحوكمة التكنوقراطية وإعادة الإعمار.

لكن الميثاق التأسيسي للمجلس يثير جدلاً واسعاً، إذ يمنح الرئيس الأمريكي سلطة مطلقة على تشكيل العضوية وإدارة الاجتماعات واتخاذ القرارات، فيما تُربط العضوية الدائمة بمساهمة مالية تصل إلى مليار دولار. كما أن الميثاق لا يشير صراحة إلى ميثاق الأمم المتحدة، رغم استناده إلى قرار مجلس الأمن 2803 الذي تنتهي صلاحياته في تشرين الثاني/نوفمبر 2027، ما يطرح أسئلة حول شرعية المجلس وارتباطه بالنظام الدولي القائم.

وبين غياب التمويل، وغياب الوضوح القانوني، وغياب القدرة التنفيذية على الأرض، يقف "مجلس السلام" أمام تحديات عميقة تهدد بتحويله من مشروع لإعادة إعمار غزة إلى مجرد إطار سياسي بلا أثر فعلي، في وقت ينتظر فيه أكثر من مليوني فلسطيني خطوات ملموسة تعيد بناء ما دمرته حرب الإبادة.