على امتداد القرنين الماضيين، نجحت سويسرا في بناء نموذج اقتصادي فريد، ليس لأنها تمتلك ثروات طبيعية هائلة، بل لأنها أحسنت استثمار موقعها السياسي، وحيادها العسكري، ورأس مالها البشري، واستقرارها المؤسسي، لتصبح مركزاً مالياً وصناعياً وتكنولوجياً عالمياً. واليوم يبرز سؤال مشروع: هل يمتلك الأردن مقومات تؤهله لبناء نموذج اقتصادي مشابه، وإن بصيغة أردنية مختلفة؟
الإجابة العلمية ليست نعم مطلقة ولا لا مطلقة، بل إن الأردن يمتلك عدداً كبيراً من عناصر النجاح التي لم تُستثمر بعد بصورة استراتيجية، وفي المقابل يواجه تحديات هيكلية تتطلب إعادة صياغة النموذج الاقتصادي الوطني بالكامل.
من الناحية الجيوسياسية، يتمتع الأردن باستقرار سياسي وأمني نادر في منطقة مضطربة، كما أنه منذ حرب عام 1973 لم يدخل في حروب إقليمية مباشرة، وانتهج سياسة خارجية تقوم على الاعتدال والتوازن وبناء الجسور مع مختلف القوى الدولية والإقليمية. وهذه السياسة أكسبته شبكة علاقات واسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية وآسيا، وجعلته واحداً من أكثر الأنظمة السياسية قدرة على التواصل مع أطراف متباينة في النظام الدولي.
هذا الموقع السياسي يمكن أن يتحول إلى ميزة اقتصادية ضخمة إذا جرى تحويل الأردن إلى منصة للحوار الاقتصادي والاستثماري، ومركز إقليمي للتحكيم التجاري، وتسوية النزاعات الاستثمارية، وإدارة الأعمال العابرة للحدود، تماماً كما استفادت سويسرا من حيادها السياسي في بناء مكانتها الاقتصادية العالمية.
لكن الفرق الجوهري أن نجاح سويسرا لم يكن قائماً على الحياد وحده، بل على بناء اقتصاد عالي القيمة المضافة يعتمد على المعرفة والابتكار أكثر من اعتماده على الموارد الطبيعية. فقد ركزت على الصناعات الدقيقة، والساعات، والهندسة الميكانيكية، والأدوية، والأجهزة الطبية، والتكنولوجيا المالية، والتعليم المهني، والبحث العلمي، حتى أصبحت منتجاتها تنافس عالمياً رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج فيها.
أما الأردن، فيمتلك رأس مال بشري متميزاً، ونسبة مرتفعة من الشباب المتعلمين، وكفاءات هندسية وطبية وتقنية معروفة عالمياً، لكنه لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على قطاع الخدمات التقليدية، والتحويلات، والمساعدات الخارجية، مع مساهمة محدودة نسبياً للصناعات التكنولوجية المتقدمة في الناتج المحلي.
قد يكون الطريق الأردني مختلفاً عن الطريق السويسري، لكنه يمكن أن يحقق نتائج مشابهة إذا تم التركيز على بناء اقتصاد معرفي متخصص. فبدلاً من منافسة الدول الصناعية الكبرى في الصناعات الثقيلة، يمكن للأردن أن يتحول إلى مركز إقليمي لإنتاج البرمجيات، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والأجهزة الطبية، والتكنولوجيا الصحية، والصناعات الدوائية، والهندسة الدقيقة، والطائرات المسيرة للأغراض المدنية، والاقتصاد الرقمي، ودراسات تغيرات الطقس والمناخ، والخدمات المالية المتقدمة.
كما يمكن تحويل الجامعات الأردنية من مؤسسات تعليمية إلى منصات لإنتاج المعرفة والشركات الناشئة، وربط التعليم المهني والتقني مباشرة باحتياجات الصناعة، بحيث يصبح الخريج منتجاً للمعرفة لا باحثاً عن وظيفة حكومية.
ومن الأفكار غير التقليدية أيضاً إنشاء مناطق اقتصادية ذات تشريعات عالمية مستقلة نسبياً، تستهدف استقطاب المكاتب الإقليمية للشركات متعددة الجنسيات، وتقديم خدمات التحكيم، وإدارة الثروات، والخدمات الرقمية العابرة للحدود، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، مستفيدة من الاستقرار السياسي والبنية التحتية الرقمية المتنامية.
أما فيما يتعلق بالسرية المصرفية، فإن استنساخ النموذج السويسري القديم لم يعد ممكناً، لأن العالم اتجه خلال العقود الأخيرة نحو الشفافية الضريبية وتبادل المعلومات المالية ومكافحة غسل الأموال والتهرب الضريبي. لذلك فإن الميزة التنافسية الحديثة لم تعد تقوم على السرية، بل على قوة التشريعات، وسرعة الإجراءات، وكفاءة القضاء، وحماية المستثمرين، والاستقرار التنظيمي، وهي مجالات يستطيع الأردن تطويرها دون الاصطدام بالمعايير الدولية.
ويبقى قطاع التعليم المهني أحد أهم المفاتيح. فسويسرا بنت اقتصادها على نظام تدريب مهني مزدوج يربط الطالب بسوق العمل منذ سنوات الدراسة الأولى. ولو تبنى الأردن نموذجاً مشابهاً، مع التركيز على الميكاترونكس، والهندسة الطبية، والصيانة الذكية، والروبوتات، والطاقة المتجددة، والبرمجيات، فإن ذلك سيحدث تحولاً جذرياً في هيكل سوق العمل والإنتاجية.
إلا أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب إصلاحات عميقة تشمل تحديث التشريعات الاقتصادية، وتبسيط بيئة الأع…
