كتب - زياد فرحان المجالي – عمّان

لم يكن الاتفاق الأميركي ـ الإيراني الأخير مجرد تفاهم عابر في ملف نووي أو أمني، بل بدا في نظر إسرائيل لحظة كاشفة لتحول أعمق في بنية العلاقة مع واشنطن. فالصدمة في تل أبيب لا تنبع فقط من بنود الاتفاق، بل من رمزيته السياسية؛ إذ شعرت إسرائيل بأن الولايات المتحدة لم تعد تقرأ الشرق الأوسط حصراً من خلال الهواجس الأمنية الإسرائيلية، بل من خلال حسابات أوسع تتعلق بالطاقة والملاحة والأسواق ومنع الانفجار الإقليمي الواسع.

على مدى عقود، اعتادت إسرائيل أن تكون شريكاً حاضراً، وأحياناً مؤثراً، في رسم حدود السياسة الأميركية تجاه المنطقة. لم يكن ذلك يعني أن واشنطن تتخلى عن مصالحها، لكنه كان يعني أن الأمن الإسرائيلي ظل حاضراً بقوة في مركز القرار الأميركي. غير أن المشهد الراهن يوحي بأن الإدارة الأميركية تتحرك هذه المرة وفق منطق مختلف: تقليل كلفة الحرب، حماية تدفق النفط، فتح الممرات البحرية، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة طويلة قد تضرب الاقتصاد العالمي قبل أن تغيّر موازين الردع.

من هنا تبدو حساسية الاتفاق في العقل الإسرائيلي. فالمسألة لا تتعلق فقط بتجميد جانب من البرنامج النووي الإيراني أو تأجيل الحسم فيه، بل بما تعتبره تل أبيب اعترافاً عملياً بالدور الإيراني في الإقليم. فإيران، وفق القراءة الإسرائيلية، لا تحصل فقط على هدنة سياسية، بل على فرصة لإعادة ترميم اقتصادها، واستعادة جزء من قدرتها على الحركة في أسواق النفط والمصارف والتأمين، بما يمنحها هامشاً جديداً في إدارة نفوذها الممتد من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان.

الخوف الإسرائيلي الحقيقي لا يكمن في أجهزة الطرد المركزي وحدها، بل في المال حين يتحول إلى قدرة سياسية وعسكرية. فجزء من أي تدفق مالي جديد إلى طهران قد ينعكس، وفق التقدير الإسرائيلي، على شبكة الحلفاء والأذرع الإقليمية، سواء عبر التمويل أو التسليح أو تثبيت الحضور السياسي. ولهذا ترى إسرائيل أن الاتفاق لا يجمّد الخطر، بل يؤجله ويعيد تغذيته بوسائل مختلفة.

الأكثر إرباكاً بالنسبة لتل أبيب أن الاتفاق لا يفرض، بحسب ما تخشاه، تفكيكاً كاملاً للبنية النووية الإيرانية، بل يذهب إلى تثبيت الوضع القائم وفتح مسار تفاوضي لاحق. وهذه معادلة تراها إسرائيل مقلوبة؛ إذ تمنح إيران مكاسب اقتصادية وسياسية مبكرة، مقابل التزامات مؤقتة وقابلة للتأويل. وبذلك تصبح طهران، في التصور الإسرائيلي، قد اشترت الوقت واحتفظت بأوراق القوة، بينما تجد إسرائيل نفسها أمام هامش حركة أضيق من السابق.

وتزداد المعادلة تعقيداً حين يدخل لبنان في صلب الترتيبات الإقليمية. فواشنطن لم تعد تتعامل مع الجبهة اللبنانية بوصفها ملفاً منفصلاً يمكن تركه لإيقاع المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، بل باتت تنظر إليه كجزء من هندسة أوسع لوقف النار وخفض التصعيد. وهذا يعني أن أي تصعيد إسرائيلي كبير في لبنان قد لا يُقرأ أميركياً بوصفه عملاً دفاعياً منفصلاً، بل كعامل قد يهدد الاتفاق الأوسع مع إيران ويعيد إشعال المنطقة.

هنا تكمن لحظة الاختبار في العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية. فإسرائيل تريد الحفاظ على حرية عملها العسكري، بينما تريد واشنطن ضبط الإيقاع الإقليمي ومنع الحرب من الخروج عن السيطرة. وبين الرغبتين تتكشف حقيقة السياسة الدولية: التحالف لا يعني التطابق، والدعم لا يلغي المصالح، والصداقة الاستراتيجية لا تمنع لحظة الافتراق عندما تتغير الحسابات الكبرى.

ما يجري اليوم ليس نهاية التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي، ولا انقلاباً أميركياً على إسرائيل، بل انتقال من مرحلة كان فيها الأمن الإسرائيلي حاضراً كأولوية شبه مطلقة، إلى مرحلة تزاحمه فيها اعتبارات الطاقة والأسواق والممرات البحرية والاستقرار الدولي. إنها لحظة يكتشف فيها الحليف المدلل أن واشنطن، حين تشتد كلفة الحرب، تعود أولاً إلى دفتر مصالحها، لا إلى دفاتر الوعود القديمة.