كشفت تقارير عبرية النقاب عن أن الإدارة الأمريكية تجري محادثات مع "السلطة الفلسطينية" بشأن تعزيز العلاقات الثنائية المتوترة، في إطار مساعٍ للحصول على تعاون رام الله لدفع مبادراتها السياسية التاريخية في المنطقة.

ووفق تقرير نشر اليوم الأربعاء في صحيفة /تايمز أوف إسرائيل/ العبرية، تسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تحويل مليارات الدولارات من عائدات السلطة الفلسطينية، المحتجزة حالياً من قبل "إسرائيل"، إلى "مجلس السلام" في غزة، الذي يعاني من نقص التمويل، والذي أنشأته واشنطن لتنفيذ خطتها المكونة من 20 بنداً لإنهاء الحرب في غزة وإعادة إعمار القطاع.

وتنص هذه الخطة على تولي السلطة الفلسطينية زمام الحكم في قطاع غزة بعد تنفيذ إصلاحات شاملة.

دور سعودي

وقال مسؤول في السلطة الفلسطينية للصحيفة إن المملكة العربية السعودية تساعد رام الله في عملية الإصلاح، التي تعتبرها الرياض ضرورية لوضع مسار لإقامة دولة فلسطينية، بينما أكد مسؤول أمريكي أن إدارة ترامب تبنت الجهود السعودية، معتبرة إياها مكملة لمساعيها لتوسيع اتفاقيات أبراهام لتطبيع العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي، حيث أعربت الرياض عن استعدادها لتطبيع العلاقات مع "إسرائيل" إذا تم إنشاء "مسار لا رجعة فيه" نحو إقامة دولة فلسطينية.

مذكرة تفاهم

وفي هذا السياق، انخرطت الولايات المتحدة في محادثات مع السلطة الفلسطينية لعدة أشهر، والتي تأمل رام الله أن تؤدي إلى "تطبيع" علاقتها المتوترة مع إدارة ترامب، حسبما قال مسؤول استخباراتي في الشرق الأوسط، مدعياً أن واشنطن تجاهلت السلطة الفلسطينية إلى حد كبير لأنها تميل إلى النظر إلى القضية الفلسطينية مع التركيز على غزة، مع اعتبار الضفة الغربية أمراً ثانوياً.

وقد تم مناقشة مذكرة تفاهم يلتزم فيها الطرفان مجدداً بخطة ترامب المكونة من 20 نقطة، ولا سيما النقطتين الأخيرتين اللتين تتضمنان حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإطلاق محادثات سلام بقيادة الولايات المتحدة بين "إسرائيل" والفلسطينيين، بمجرد أن يتقدم إعادة تطوير غزة وإصلاح السلطة الفلسطينية.

وقال ثلاثة مسؤولين أمريكيين للصحيفة إن مذكرة التفاهم ستشهد أيضاً التزام السلطة الفلسطينية بمعايير محددة لإصلاح أنظمة الرعاية الاجتماعية (وقف رواتب الأسرى والجرحى وعائلات الشهداء) والتعليمية (وقف التحريض في المناهج التعليمية) التي تشرف عليها السعودية، فضلاً عن خطة لمكافحة التحريض.

وسيشمل ذلك إعلان الولايات المتحدة استعدادها لرفع العقوبات المفروضة على السلطة الفلسطينية بمجرد اكتمال الإصلاحات بشكل يمكن التحقق منه، فيما تأمل رام الله أن تتضمن مذكرة التفاهم إشارة إلى إمكانية إعادة فتح البعثة الدبلوماسية لمنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وفقاً للمسؤول الفلسطيني.

وكان ترامب أغلق السفارة الفلسطينية بحكم الأمر الواقع في واشنطن العاصمة خلال ولايته الأولى بسبب رفض رام الله التعاون مع مبادرة السلام الأمريكية (صفقة القرن)، التي اعتبرتها السلطة الفلسطينية منحازة بشكل كبير لصالح "إسرائيل".

وقال مسؤول استخباراتي في الشرق الأوسط إن الولايات المتحدة تدرس إحياء خطة السلام لعام 2020 بعد الانتخابات الإسرائيلية في الخريف، وتأمل أن يؤدي ضعف موقف السلطة الفلسطينية إلى إجبارها على إعادة النظر في الاقتراح.

وفي الوقت نفسه، تسعى الولايات المتحدة إلى الحصول على التزام فلسطيني بوقف الجهود الرامية إلى تدويل الصراع ضد إسرائيل وسحب الدعاوى القضائية ضد الاحتلال في المحافل القانونية الدولية، حسبما قال المسؤول الأمريكي، مضيفاً أن السلطة الفلسطينية بدورها طلبت إدراج بند في مذكرة التفاهم بشأن وقف التوسع الاستيطاني الإسرائيلي وقمع عنف المستوطنين المتفشي.

حسين الشيخ يقود المحادثات

ووفق الصحيفة، قاد نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ المحادثات نيابةً عن السلطة الفلسطينية، بينما مثّل إدارة ترامب كلٌ من أرييه لايتستون وسكوت ليث، وهما مسؤولان رفيعا المستوى في وزارة الخارجية الأمريكية، بمشاركة دورية من جاريد كوشنر، كبير مبعوثي الرئيس الأمريكي وصهره.

وشارك في المحادثات أيضاً، وإن بشكل غير مباشر، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي قاد جهود مجلس السلام للتواصل مع الفلسطينيين، إلى جانب المسؤولة السعودية منال رضوان، التي ساهمت في صياغة سياسة الرياض بشأن القضية الفلسطينية.

لكن المفاوضات تباطأت في الأيام الأخيرة، حيث أعرب المسؤولون الأمريكيون عن ترددهم بشأن التوقيع على شيء رسمي مثل مذكرة تفاهم، وبدلاً من ذلك فكروا في تبادل رسائل بين الشيخ ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يتم فيها تناول بعض النقاط المذكورة أعلاه - وإن لم يكن ذلك بشكل مشترك، حسبما قال مسؤول استخباراتي في الشرق الأوسط.

عقبة دفع رواتب الأسرى

ورجّح مسؤول السلطة الفلسطينية أن التردد في واشنطن له علاقة بردود الفعل من "تل أبيب" تجاه قيام الولايات المتحدة بتعزيز علاقتها مع رام الله، حيث تصر "إسرائيل" على أن السلطة الفلسطينية لم تكن تقوم بإصلاحات حقيقية، لا سيما فيما يتعلق ببرنامج الرعاية الاجتماعية الخاص بها، والذي تضمن دفع مبالغ مالية للأسرى بناءً على مدة سجنهم.

وأعلنت السلطة الفلسطينية إلغاء ذلك المخطط في شباط/فبراير 2025، واستبدلته بنظام جديد يشترط جميع المدفوعات بشكل صارم على الوضع المالي للمستفيد، بما يتماشى مع برامج الرعاية الاجتماعية الأخرى في الخارج.

لكن تقريراً لوزارة الخارجية الأمريكية قدم إلى الكونغرس في نيسان/أبريل خلص إلى أن السلطة الفلسطينية لا تزال "توفر نظام تعويض لدفع رواتب الأسرى من خلال آليات جديدة وتحت اسم مختلف".

واعتمد التقرير بشكل حصري على معلومات مفتوحة المصدر من الحكومة الإسرائيلية والعديد من الجماعات الأخرى التي لطالما انتقدت السلطة الفلسطينية، في حين أن النتائج الأولية من تدقيق خارجي لهيئات السلطة الفلسطينية المشاركة في برنامج الرعاية الاجتماعية الجديد قد حددت أن الإصلاح يتم تنفيذه بشكل صحيح لضمان عدم منح المستفيدين المساعدات بناءً على ما إذا كان أحد الأقارب قد نفذ هجوماً ضد إسرائيل، حسبما صرح دبلوماسيان غربيان مطلعان على عملية التدقيق للصحيفة الأسبوع الماضي.

لكن هذا القرار قد لا يكون كافياً بعد الآن، حيث يجادل المسؤولون الإسرائيليون الآن بأنه لا ينبغي السماح لأي عائلة من عائلات الأسرى أو عائلات الشهداء بتلقي رواتب من السلطة الفلسطينية، حتى لو كانوا يستوفون معايير كونهم فقراء بما يكفي لتلقي الرعاية الاجتماعية.

وأعرب مسؤول السلطة الفلسطينية عن قلقه من أن "تل أبيب" تحاول إقناع إدارة ترامب بتبني موقفها بعد أن اتفقت كل من الولايات المتحدة و"إسرائيل" خلال إدارة بايدن على قبول مدفوعات الرعاية الاجتماعية لأي شخص يعتبر فقيراً بما فيه الكفاية.

عناصر في إدارة ترامب تريد انهيار السلطة

وأكد مسؤول الاستخبارات في الشرق الأوسط أن من بين العوامل التي تزيد من تعقيد المحادثات بين الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية وجود عناصر معينة في إدارة ترامب، وخاصة في وزارة الخارجية، ممن يميلون إلى انهيار السلطة الفلسطينية بدلاً من إصلاحها.

وأصر المسؤول الأمريكي على أن واشنطن تدرك أهمية السلطة الفلسطينية، مشيراً إلى دعم رام الله لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر والذي أيد خطة ترامب المكونة من 20 نقطة والتي كانت حاسمة لإنجازها.

ومع ذلك، لم ينكر المسؤول الأمريكي عدم وجود حماس لدى الإدارة لتعزيز العلاقات مع الفلسطينيين، حيث يتم إنفاق التركيز والرأسمال السياسي في أماكن أخرى في المنطقة.

لكن مع ظهور ترامب وهو ينقلب على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الأسابيع الأخيرة بسبب الحرب مع إيران وصراع "إسرائيل" مع "حزب الله" اللبناني، تكهن مسؤول السلطة الفلسطينية بما إذا كان مثل هذا التوتر في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية يمكن أن يصب في مصلحة رام الله.

واستذكر المسؤول كيف هاجم ترامب، بعد مغادرته منصبه في عام 2021، نتنياهو وأكد أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس كان أكثر اهتماماً بالسلام من رئيس الوزراء الإسرائيلي.

سموتريتش يعرقل صرف أموال لمجلس السلام

وقال المسؤولون الثلاثة إن الولايات المتحدة تأمل أيضاً في استخدام المحادثات مع السلطة الفلسطينية للحصول على موافقتها على تحويل جزء كبير من عائدات التخليص الفلسطينية التي تزيد عن 5 مليارات دولار والتي تحتجزها "إسرائيل" إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي هيئة من التكنوقراط الفلسطينيين يشرف عليها مجلس السلام في غزة حتى تنتهي السلطة الفلسطينية من عملية الإصلاح.

وقد تبادل الطرفان الآراء بشأن مقدار الأموال التي سيتم تحويلها إلى المجلس، والمبلغ الذي سيتم إرساله إلى رام الله.

وبعد أن أبدت السلطة الفلسطينية استياءً مبدئياً من فكرة إرسال أموالها التي هي في أمس الحاجة إليها إلى كيان حاكم منافس محتمل في غزة، وافقت على الانضمام، معتبرة أن الحصول على أي مبلغ من أموالها أفضل من لا شيء، نظراً للطبيعة المأساوية لوضعها المالي الحالي.

إلا أن رام الله طلبت من الولايات المتحدة إعادة الالتزام باستخدام قناة اتصال رسمية تم إنشاؤها في شباط/فبراير لإبقاء السلطة الفلسطينية مشاركة في عملية صنع القرار في غزة.

وتُشكّل عائدات الضرائب التي يجمعها الاحتلال نيابة عن السلطة الفلسطينية الجزء الأكبر من ميزانية السلطة الفلسطينية، وقد رفضت سلطات الاحتلال تحويل أيٍّ من هذه الأموال لأكثر من عام، في انتهاكٍ لاتفاقيات أوسلو.

وكان الاحتلال يقتطع سابقاً مبالغ تُعادل ما كانت تدفعه السلطة الفلسطينية للأسرى، قبل أن يُصبح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش مُعتاداً على عدم إرسال أي جزء من الأموال الفلسطينية.

وقد دعا سموتريتش، الذي رفض مكتبه التعليق، إلى انهيار السلطة الفلسطينية، كما انتقد خطة ترامب المكونة من 20 نقطة بشأن غزة.

وبناءً على ذلك، فقد رفض التعاون مع المقترحات التي ناقشتها الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية للإفراج عن عائدات "المقاصة"، حتى لسداد ديون السلطة الفلسطينية لـ"إسرائيل"، وقال المسؤولون الثلاثة المطلعون على الأمر إنهم لا يتوقعون أي تقدم حتى بعد الانتخابات الإسرائيلية في الخريف، عندما قد يتم تشكيل حكومة جديدة ووزير مالية جديد.

وكشف مسؤول استخباراتي في الشرق الأوسط أن الولايات المتحدة، التي لا تزال تسعى جاهدة لتأمين قدر من التمويل لمجلس السلام، حيث لم يتم تنفيذ سوى جزء ضئيل، قد بحثت إمكانية الاستيلاء من جانب واحد على بعض أموال السلطة الفلسطينية التي تحتفظ بها "إسرائيل"، مع توضيح أن المبرر القانوني لمثل هذه الخطوة سيكون ضعيفاً.

وامتنع مسؤول في مجلس السلام عن التعليق على الأمر، لكنه قال إن هيئة الرقابة على غزة ستتبع القانون الأمريكي.

وقال مسؤول استخباراتي في الشرق الأوسط إن فكرة أخرى استكشفتها الولايات المتحدة تتمثل في إقناع البنك الدولي بإرسال المساعدات المخصصة لخدمات غزة إلى مجلس السلام بدلاً من السلطة الفلسطينية.

ورداً على سؤال حول مسألة الجهود الأمريكية لتعزيز العلاقات مع رام الله، قال متحدث باسم وزارة الخارجية: "إن إصلاح السلطة الفلسطينية شرط أساسي لتهدئة المخاوف الأمنية الإسرائيلية".

وتابع البيان: "تؤكد خطة الرئيس المكونة من 20 نقطة وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 بوضوح على ضرورة أن تُكمل السلطة الفلسطينية إصلاحات شاملة قابلة للتحقق، بما في ذلك وقف جميع المدفوعات للأسرى وعائلاتهم".