عند السادسة صباحًا، لم يكن رنين المنبّه هو الذي أيقظني، بل نداء التاريخ.
إنها ساعة أعرفها كما يعرف الطيار صوت محركات طائرته. فقد أمضيت أكثر من أربعين عامًا في عالم الطيران، وكانت ساعات الفجر بالنسبة إليّ بدايةً مألوفة ليوم جديد: فحصٌ دقيق، ونظرة إلى السماء، ومراجعة للمسار، واستعداد لكل ما قد تخبئه الرحلة من رياح مفاجئة.
لكنني في ذلك الصباح لم أرتدِ بزّة الطيران، ولم أتجه إلى قمرة القيادة. جلست إلى جانب صديق عزيز أمام شاشة التلفاز، ننتظر رحلة من نوع آخر؛ رحلة المنتخب الأردني في أول ظهور له في نهائيات كأس العالم منذ تأسيس المملكة.
لم تكن المباراة بين الأردن والنمسا تسعين دقيقة عابرة. كانت موعدًا بين وطن وذاكرته، وبين أجيال انتظرت طويلًا أن ترى علم الأردن مرفوعًا في أكبر محفل كروي في العالم.
ظهر النشامى على الملعب لا بوصفهم ضيوفًا جاؤوا لالتقاط الصور، بل ممثلين لوطن تعلّم أن يصنع من قلة الإمكانات قوة، ومن صعوبة الطريق عزيمة، ومن طول الانتظار يقينًا بأن الأحلام الكبيرة قد تتأخر، لكنها لا تضيع ما دام وراءها من يؤمن بها.
انتهت المباراة بخسارة منتخبنا بثلاثة أهداف مقابل هدف. غير أن النتيجة، مهما بدت حاسمة على الورق، لا تختصر كل ما جرى على أرض الملعب.
في الطيران، قد تضطر الطائرة إلى تغيير مسارها أو الهبوط في مطار بديل، ومع ذلك تُعد الرحلة ناجحة إذا حافظ الطاقم على سلامة الركاب واتخذ قراراته بحكمة. وكذلك في كرة القدم؛ ليست كل خسارة سقوطًا، وليست كل نتيجة سلبية دليلًا على الفشل. أحيانًا تكون الهزيمة مرآة تكشف نقاط القوة والضعف، وتمنح الفريق معرفة لا توفرها الانتصارات السهلة.
دخل النشامى المباراة أمام منتخب نمساوي يمتلك خبرة طويلة، ولاعبين ينشطون في أقوى الدوريات الأوروبية. تقدم المنتخب النمساوي بهدف رومانو في الدقيقة الحادية والعشرين، لكن لاعبينا لم يستسلموا لرهبة المناسبة، ولم يتصرفوا كفريق أضاعه بريق البطولة.
عاد الأردن إلى المباراة، وتمكن علوان من تسجيل أول هدف أردني في تاريخ كأس العالم.
لم يكن ذلك الهدف مجرد كرة ارتطمت بالقائم ثم استقرت في الشباك. كان لحظة عبور من الانتظار إلى الحضور، ومن الحلم إلى الحقيقة. كان إعلانًا بأن الأردن لم يأتِ ليقف عند أبواب البطولة، بل ليترك أثره فيها.
في تلك اللحظة، لم يهتز الشباك وحده؛ اهتزت معه قلوب الأردنيين. فبعض الأهداف لا تُقاس بقيمتها في لوحة النتيجة، بل بما تفتحه في ذاكرة الشعوب من أبواب الأمل. كنت أتابع المباراة بعين المشجع، لكن سنوات الطيران الطويلة جعلتني أراها أيضًا بعين الطيار.
فالملعب يشبه المجال الجوي؛ لكل لاعب موقع يجب أن يحافظ عليه، ولكل تحرك توقيت، ولكل قرار نتيجة. وقد يكفي تأخر بسيط في التغطية أو التمرير أو الخروج من المرمى لكي يتحول موقف آمن إلى خطر حقيقي.
أما المدرب، فيشبه قائد الرحلة. لا تكفيه خطة الإقلاع، بل يحتاج إلى قراءة الظروف المتغيرة، ومعرفة متى يغيّر مساره، ومتى يتقدم، ومتى يهدئ الإيقاع، وكيف يحافظ على تماسك فريقه عندما تشتد الضغوط.
فالخطط الجامدة لا تصنع الانتصارات، كما أن الطيار الذي لا يقرأ تغيّر الرياح قد يجد نفسه بعيدًا عن المسار مهما كانت الخطة التي وضعها قبل الإقلاع.
ويبقى حارس المرمى أقرب اللاعبين إلى الطيار في حجم المسؤولية ووحشة الموقف.
قد يقدم الحارس مباراة كاملة من التركيز والتصديات، ثم تأتي لحظة واحدة يتأخر فيها أو يسيء التقدير، فينسى الناس كل ما أنجزه ويتذكرون تلك اللحظة وحدها. وهكذا هي المسؤوليات الكبيرة: الناس يرون النتيجة، لكنهم لا يرون دائمًا ثقل القرار الذي يسبقها.
لهذا يجب أن يكون حديثنا عن الحارس أبو ليلى منصفًا. النقد ضروري، لكنه يفقد قيمته حين يتحول إلى إدانة أو تجريح.
لم يكن الحارس في أفضل حالاته، وظهرت عليه في بعض المواقف ضغوط المشاركة التاريخية. كان من الممكن أن يكون أكثر ثباتًا في تمركزه، وأقوى في توجيه المدافعين، وأوضح في قرارات الخروج للكرات العرضية والثابتة.
غير أن تحميله وحده مسؤولية الخسارة لا يخدم المنتخب، ولا ينسجم مع حقيقة كرة القدم.
فالهدف الأول جاء من تسديدة قوية بعيدة المدى، والهدف الثاني سُجّل بالخطأ بعدما اصطدمت الكرة بيزن تحت ضغط المهاجم النمساوي ماركو، بينما جاء الهدف الثالث من ركلة جزاء في الوقت بدل الضائع.
الخسارة مسؤولية فريق كامل، مثلما أن سلامة الطائرة مسؤولية منظومة متكاملة. فعندما يقع خلل في رحلة جوية، لا يصدر الحكم قبل دراسة الطقس، وحالة الطائرة، والاتصالات، والإجراءات، والقرارات المتتالية. وكذلك في كرة القدم، لا يجوز أن نختصر مباراة كاملة في لاعب واحد، مهما كان موقعه حساسًا.
الحارس يحتاج إلى دفاع منظم، والدفاع يحتاج إلى خط وسط يقلل الضغط، وخط الوسط يحتاج إلى مهاجمين يحتفظون بالكرة ويمنحون زملاءهم فرصة لالتقاط الأنفاس. الفريق جسد واحد؛ فإذا ضعف عضو فيه، شعر الباقون بالألم.
ومع ذلك، فإن متابعة بعض حراس المنتخبات الأخرى تمنحنا دروسًا مهمة.
حارس الرأس الأخضر فوزينيا وقف أمام إسبانيا بثبات، وتصدى لعدد كبير من الكرات الخطرة، وقاد منتخبًا يشارك للمرة الأولى إلى نتيجة تاريخية. لم تكن قوته في سرعة رد الفعل وحدها، بل في هدوئه، وحسن تمركزه، وطريقة حديثه مع المدافعين، وقدرته على منحهم الشعور بالأمان.
كما قدم الحارس الأسترالي باتريك مباراة لافتة، ونجح في التصدي لثماني كرات مع المحافظة على نظافة شباكه.
لا تعني هذه المقارنة التقليل من حارسنا، بل توضيح ما يحتاج إليه الحارس في البطولات الكبرى. فهو لا ينتظر الكرة على خط المرمى، وإنما يقود المنطقة الدفاعية، ويقرأ الهجمة قبل اكتمالها، ويصدر التعليمات، ويضبط الإيقاع، ويمنح زملاءه الثقة.
أما الحارس النمساوي ألكسندر، فلم يكن بعيدًا عن الخطر، فقد وصل النشامى إلى مرماه أكثر من مرة، ونجح علوان في التسجيل. وهذا يؤكد أن الفارق بين المنتخبين لم يكن جدارًا لا يمكن تجاوزه، وأن الأردن امتلك لحظات كان يستطيع فيها العودة إلى المباراة أو تغيير مسارها.
ولا ينبغي أن نقارن الحراس بعدد الأهداف التي دخلت مرماهم فقط. فالتقييم العادل يشمل صعوبة التسديدات، والتمركز، والتعامل مع الكرات العرضية، ودقة التمرير، وسرعة الخروج، والتواصل مع المدافعين، والأهم من ذلك كله: القدرة على استعادة التركيز بعد الخطأ.
في الطيران، نتعلم أن الموقف الذي انتهى أصبح من الماضي، وأن بقاء الذهن أسيرًا له قد يخلق خطأ جديدًا. ولهذا فإن أهم ما يحتاج إليه حارسنا هو إدارة الضغط.
بعد كل كرة يجب أن تبدأ مباراة جديدة في ذهنه. الهدف الذي دخل المرمى لا يمكن إعادته، لكن الكرة المقبلة ما تزال في متناول القرار.
ومن الحكمة أن يتعلم الإنسان من خطئه، لا أن يسكن فيه.
وقبل مواجهة الجزائر، تقع على الجهاز الفني مسؤوليات كبيرة.
أولها إعادة بناء الثقة داخل الفريق. فإذا قرر المدرب السلامي الإبقاء على أبو ليلى، فيجب أن يمنحه ثقته كاملة، لأن الحارس الذي يدخل الملعب وهو يشعر بأن الجميع ينتظر زلته لن يستطيع اللعب بحرية. أما إذا رأى الجهاز الفني أن الفاخوري أو بني عطية أكثر جاهزية، فيجب أن يكون القرار مبنيًا على التقييم الفني والذهني، لا على الانفعال أو ضغط مواقع التواصل.
فالقرارات الكبيرة لا ينبغي أن تُصنع تحت ضجيج الغضب، بل في هدوء المعرفة.
وثانيها تنظيم الدفاع، ولا سيما في الكرات الثابتة. فالهدف العكسي أمام النمسا لم يكن خطأ فرديًا خالصًا، بل نتيجة ارتباك داخل منطقة الجزاء. يجب أن يعرف كل لاعب مهمته بدقة: من يراقب الكرة، ومن يراقب الخصم، ومتى يخرج الحارس، ومتى يبقى في موقعه.
في اللحظات الحرجة، لا يكفي أن يكون اللاعب شجاعًا؛ يجب أن يعرف ماذا يفعل بشجاعته.
أما الأمر الثالث فهو تجنب التراجع المبالغ فيه بعد تسجيل هدف التعادل. لقد بدا المنتخب النمساوي مرتبكًا بعد هدف علوان، وكان من الممكن استثمار تلك اللحظة بضغط أكثر جرأة وتنظيمًا.
فالطائرة لا تحافظ على ارتفاعها بإطفاء محركاتها، والفريق لا يحافظ على التعادل إذا تخلى تمامًا عن المبادرة. الدفاع وحده قد يؤخر الخطر، لكنه لا يلغيه.
والأمر الرابع هو استثمار سرعة التعمري وعلوان، مع توفير المساندة اللازمة لهما. فلا ينبغي أن يركضا وحدهما في مساحات واسعة، بينما يبقى بقية الفريق بعيدًا. الهجمة المرتدة الناجحة لا تُبنى على السرعة فقط، بل على التوقيت، ودقة التمرير، ووصول أكثر من لاعب إلى منطقة المنافس.
الموهبة تفتح الطريق، لكن العمل الجماعي هو الذي يصل إلى نهايته.
أما الأمر الخامس فهو دخول مباراة الجزائر بعقلية الفرصة، لا بعقلية الخوف.
المنتخب الجزائري سيدخل المباراة وهو يبحث عن التعويض، وكذلك الأردن يحتاج إلى النقاط وإلى إثبات أن مشاركته ليست مجرد ظهور أول. وفي مثل هذه المباريات، لا ينتصر دائمًا الفريق الأكثر شهرة، بل الفريق الأكثر تركيزًا، والأقل ارتكابًا للأخطاء، والأقدر على ضبط أعصابه.
الخوف لا يمنع الخسارة، لكنه يمنع الإنسان من إظهار قدرته.
وبعد الجزائر، سيأتي موعد الأرجنتين، بطلة العالم. قد تبدو المواجهة صعبة، وربما يرى بعضهم أن الفارق كبير، لكن قيمة الإنسان لا تظهر عندما يقف أمام من هو أضعف منه، بل عندما يواجه القمة ويحافظ على هويته وكرامته.
لا نطلب من النشامى معجزة. نطلب أداءً يليق بالقميص، ويحترم العلم، ويمنح كل لاعب شعورًا بأنه أدى ما عليه حتى اللحظة الأخيرة.
نريدهم أن يلعبوا بلا خوف، وأن يتعلموا بسرعة، وأن يدركوا أن كأس العالم ليست معرضًا للصور، بل امتحانًا للشخصية والانضباط والإيمان.
إن المشاركة الأولى ليست نهاية الرحلة، وإنما بداية طريق جديد للكرة الأردنية.
على الاتحاد الأردني أن يتعامل مع هذا الوصول بوصفه مشروعًا وطنيًا طويل المدى، لا مناسبة تنتهي بانتهاء المباريات. فالمطلوب توسيع قاعدة اللاعبين، وتطوير أكاديميات الناشئين، وتأهيل مدربي حراس المرمى، والاستفادة من علم النفس الرياضي وتحليل الأداء، وزيادة الاحتكاك بمنتخبات قوية.
الوصول مرة واحدة إنجاز، لكن تحويل الوصول إلى عادة هو النجاح الحقيقي.
لقد علمتني سنوات الطيران أن الرحلات الكبرى لا تبدأ عندما ترتفع الطائرة عن المدرج، بل تبدأ قبل ذلك بكثير: في التخطيط، والتدريب، وفحص الأجهزة، ودراسة الطقس، والاستعداد لكل احتمال.
وكذلك المنتخبات الكبرى؛ لا تُصنع خلال تسعين دقيقة، بل تُبنى عبر سنوات من الانضباط، والصبر، والعمل الصامت.
فالنجاح الذي يظهر فجأة أمام الناس، تكون وراءه غالبًا أعوام طويلة لم يشاهدها أحد.
في ذلك الصباح، كنت أجلس بجانب صديقي، لكنني شعرت أن الأردن كله كان يجلس معنا أمام الشاشة. كانت البيوت والمقاهي والقرى والمخيمات تتابع اللحظة نفسها. اختلفت الأعمار والأماكن، لكن القلوب ارتدت القميص ذاته.
خسرنا مباراة، لكننا لم نخسر الحلم.
سجل علوان أول أهداف الأردن في كأس العالم، وكتب النشامى أول سطر في صفحة ظلت تنتظر طويلًا. أما بقية السطور فما تزال بيضاء، وفي وسع لاعبينا أن يملؤوها بالشجاعة والتركيز والإيمان.
إلى أبو ليلى نقول: الحارس القوي ليس من لا يخطئ، بل من يملك الشجاعة ليقف بعد الخطأ أكثر هدوءًا وصلابة.
وإلى يزن نقول: كرة دخلت المرمى لا تمحو تاريخ لاعب ولا إخلاصه. لقد سجل أعظم المدافعين أهدافًا في مرماهم، لكن العظماء لا يُقاسون بلحظة تعثر، بل بطريقة نهوضهم منها.
وإلى المدرب جمال السلامي نقول: ثق برجالك، لكن لا تجعل الثقة ستارًا يحجب الأخطاء. صحح من دون قسوة، وغيّر من دون تردد، فالقائد الحقيقي هو من يحمي رجاله من اليأس، ويحمي الفريق من المجاملة.
وإلى النشامى جميعًا نقول:
لقد وصلتم إلى السماء التي انتظرناها طويلًا، فلا تنظروا إلى الأرض بخوف.
ثبّتوا المسار، وراجعوا الأخطاء، وراقبوا إشارات الخطر، وثقوا ببعضكم، ثم واصلوا الطيران.
فالرحلة لا يُحكم عليها عند أول مطب هوائي، ولا يُقاس الرجال بأول خسارة.
قد تعاكسكم الرياح، وقد تضيق المساحات، وقد تبدو الطريق أطول مما توقعتم، لكن الطائرة التي تعرف وجهتها لا ترهبها الغيوم.
والأردن كله خلفكم، لا يطلب منكم المستحيل، بل يطلب أن يرى فيكم صورته التي يعرفها: صبرًا عند الشدة، وشجاعة عند المواجهة، ووفاءً حتى آخر دقيقة.
