دون ترتيب مسبق، صادف ما يُسمّى "عيد الأب" أمس إصرار والدي على الذهاب لتطعيم ما تيسّر من أشجار الحمضيّات والتين في بستان جدّي رحمه الله، أو "بستان نوري" كما هو معروف لأبناء البلد في مسقط رأسنا جرش، بتراكيب أحضرها خصيصاً من "جنينة" أحد الأصدقاء في عمّان.

أبي، "البستنجي" القديم أيام مراهقته وشبابه بمعيّة جدّي رحمه الله، ومعلم الحكومة المتقاعد، لا يركّب الأشجار بمهارته وخبرته المتراكمة عبر السنوات.. أبي يركّب الأشجار ببركة يديه التي ورثها عن والده [عمتي نجاح أيضاً لديها ذات البركة والإيد الخضرا]!

كثيراً ما يقرّعني والدي عندما أُبدي حنقاً زائداً إزاء حال البستان الذي منذ أن تفتّحت عيناي على الدنيا وهو يُنهب نهباً مُقنّعاً بسيف أيمان يستسهل ويستمرء أصحابها حلفها جزافاً [ذبّاح أبوك شو إلك عنده غير اليمين؟! هكذا كان يبرر والدي ويلتمس لهم الأعذار]، وآل في نهاية المطاف كما تقتضي سنّة الحياة إلى ميراث يتقاسمه أصحاب الحقوق.. ولكن ساعة الجد، أجده يغار على كلّ شجرة وغصن في البستان، لا طمعاً في منتوجهما، ولا "ضيقة عين" لمآل ملكيّتهما، ولكن لذخيرة الذكريات والكَدّ والتعب وعرق جدّي الذي يسري في نسغهما.

طبعاً مثل أيّ رجل شركسيّ فإنّ والدي عنيد نزق حاد المزاج في الظروف الاعتياديّة، فما بالك وقد تخطّى الآن عتبة الثمانين؟! وهي الطباع نفسها التي أودعها في ذرّيته، والتي سيودعونها بدورهم في ذريّاتهم.. لذا بخلاف الحميميّة الظاهرة من الكلام أعلاه، فإنّ نهاري مع والدي بالأمس كان مشحوناً ومتوتّراً وقابلاً للانفجار في أي لحظة!

ولكن هذا الشحن تحديداً، وهذا التوتر، وهذه القابليّة للإنفجار.. هي عندي أغلى من كلّ بساتين وعقارات ومواريث الأرض، ومن الدنيا وما فيها!

إلى والدي في "عيد الأب"، ورغم معرفتي أنّه يستتفه مثل هذه المناسبات ويستخنث مثل هذه التسميات: كلّ عام وأنت بخير، أطال الله في عمرك، وبارك في صحتك، وأدامك فوق رؤوسنا تشحننا ونشحنك.. وتوترنا ونوترك.. وتنفجر في وجوهنا وننفجر في وجهك انفجار حبّ وحرص وعتب لا انفجار بغض وعقوق!

ملاحظة (1): كيف ستخفض "جناح الذلّ" لشخص يرفض أن يقبّل أبناؤه وأحفاده يده، ويقرّعهم إذا حاولوا ذلك، وكابر ثلاثة أيام بلياليها كيما يذرف دمعةً على ابنه الذي قضى رضيعاً؟!

ملاحظة (2): من بركات نزلة الأمس إلى البستان أنّ أبّي قد أعطاني الضوء الأخضر لـ "جرْم" جلّ الأشجار التي نالها الكِبَر والإهمال المتراكم "على المجامع" لمنحها دفقاً جديداً واندفاعةً جديدة.. وأنا الذي طالما اتُهمتُ من قبل الآخرين بأنّني أجور على الأشجار في التقليم!

ملاحظة (3): ما يسري على الشجر من تقليم جائر وقصّ على المجامع قد يسري أحياناً على البشر، أفراداً وجماعات ودولاً، حيث الفروع المتطاولة والأغصان المتشابكة والخضرة البادية هي مجرد مظاهر خدّاعة لا خير يُرتجى فيها ومنها.. أو بالتعبير القرآنيّ هي ضربٌ من "كثرة الخبيث" التي قد يُعجَبُ البعضُ بها أو يفتنون فيها!

ملاحظة (4): ما حفّزني لكتابة هذا النص، رغم التعب والنوم المكسور، الغيرة من الإدراج الذي كتبه ابن عمّتي الكاتب الفذّ بشار عويدات [والذي يرفض الإقرار أنّه كاتب فذّ]، عن والده، حبيب الكلّ، الدكتور "جهاد عويدات"، أو "عمو جهاد"، رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه، وجمعه عند الحوض بأحبته، وبجميع القطط التي حنا عليها في حياته والتي لن تنقلب تراباً في الآخرة كرامةً له!