كتب - زياد فرحان المجالي – عمّان
لم تعد حرب إسرائيل الطويلة تُقاس بعدد الجبهات المفتوحة، ولا بحجم الذخائر المستخدمة، بل بعدد البيوت التي بدأت تتصدع بصمت خلف صورة الجيش القوي والدولة المتماسكة. فبعد نحو ألف يوم على حرب السابع من أكتوبر، تكشف المعطيات الإسرائيلية أن الكلفة لم تعد عسكرية فقط، بل تحولت إلى ضريبة نفسية واجتماعية واقتصادية تضرب عمق المجتمع الإسرائيلي نفسه.
فما تظهره بيانات جمعية "البيت لجنود الاحتياط والخدمة الدائمة” ليس مجرد أزمة عائلية عابرة، بل صورة لجبهة داخلية تعيش حالة إنهاك ممتد. 77% من النساء و74% من الرجال يطلبون دعماً في العلاقات الزوجية، ونحو 60% من العائلات تعيش يوماً بيوم، عاجزة عن التخطيط للمستقبل. هذه ليست أرقاماً اجتماعية فقط، بل مؤشرات على أن الحرب الطويلة بدأت تنتقل من حدود غزة ولبنان إلى غرف المعيشة، وإلى المدارس، وسوق العمل، ودفاتر الديون، وفرص العمل الضائعة.
الأخطر أن أكثر من 80% من العائلات تجنبت طلب المساعدة المهنية رغم الحاجة إليها، بسبب الخجل أو الخوف من الانكشاف. هنا تتكشف أزمة أعمق: مجتمع يحاول أن يبدو صلباً في الخارج، لكنه يدفع في الداخل ثمناً نفسياً قاسياً لا تعترف به الرواية الرسمية بسهولة. فالزوجة التي تتحمل غياب زوجها في الاحتياط، والأبناء الذين يعيشون بين الانتظار والقلق، والبيت الذي يفقد إيقاعه الطبيعي، كل ذلك يتحول إلى عبء تراكمي لا يظهر في بيانات المعارك، لكنه يترك أثره في بنية المجتمع.
ولا تقف الأزمة عند حدود البيت. فتعطل العمل، وتراجع قدرة النساء على الاستمرار في وظائفهن، وضغط النفقات، وضياع الاستقرار المهني، كلها تجعل الحرب عبئاً على الاقتصاد الإسرائيلي العام أيضاً. فكل جندي احتياط غائب عن عمله، وكل أسرة تفقد قدرتها على التخطيط، وكل زوجة تُدفع إلى الانسحاب من سوق العمل، يعني أن كلفة الحرب لا تُدفع من ميزانية الدفاع وحدها، بل من قوة الإنتاج، وثقة السوق، وقدرة المجتمع على الاستمرار.
لهذا يصبح تصريح مدير الجمعية بأن "صمود منظومة الاحتياط يبدأ من البيت” اعترافاً بالغ الدلالة. فالجيش لا يقاتل بجنوده فقط، بل بالعائلات التي تسندهم، وبالمجتمع الذي يحتمل غيابهم، وبالاقتصاد الذي يمول استمرارهم. وإذا بدأت هذه الحلقات تتآكل، فإن التفوق العسكري يفقد جزءاً مهماً من قاعدته المدنية.
تكشف هذه المعطيات أن إسرائيل تواجه أزمة أعمق من سؤال الجاهزية العسكرية. إنها تواجه سؤال القدرة على احتمال حرب طويلة بلا أفق واضح. فالحروب لا تستنزف الجيوش وحدها، بل تستنزف الثقة، والعائلة، والعمل، والإحساس بالمستقبل.
فبعد ألف يوم، لم تعد إسرائيل تسأل فقط كم تستطيع أن تقاتل، بل كم يستطيع بيتها الداخلي أن يصمد قبل أن تتحول الحرب من معركة على الحدود إلى أزمة في معنى الدولة نفسها.
