محمد عساف . كلمة فلسطين إلى العالم!
جو 24 : على مرّ التاريخ ارتبطت الحضارات العظمى بالفن، واعتُبِرَ الفن دليلاً قطعياً وأثراً هاماً للشعوب الحاضرة على وجه الزمن المجعّد، ولعلّ الغناء لسهولة تواتره وانتقاله ظل حتى الآن يعدُّ أكثر الفنون تأثيراً، حتى إنه غدا شرطاً حضارياً ..
والفن الفلسطيني كغيره من الفنون الأصيلة يستند إلى حضارة تمتد إلى مطلع القرن الثالث قبل الميلاد، وحسب آخرين تمتد إلى القرن السابع قبل الميلاد.. غير أن الكنعانيين على خلاف الشعوب السامية الأخرى، وضعوا الموسيقا على رأس هرمهم الحضاري، فكما يرد في بحث أجرته البعثة الفلسطينية في المملكة المتحدة، فإن الكنعانيين امتلكوا طقوساً دينية مبنية على أساس موسيقي راسخٍ، اقتبسوه من شعوب المناطق المقابلة للساحل، وقولبوه في قالب ديني جديد، وبدأوا يبثونه عبر صولاتهم وجولاتهم، حتى أصبح دون أن يشعر أحد تراثاً موسيقياً متوسطياً.
إن احتلال فلسطين عام 48 وتشريد أهلها، وتوريطهم في الدفاع عن حياتهم والنيل من عدوّهم، ربما كان العامل الأهم في إبعادهم عن ساحات إبداعية كثيرة، كالرياضة والغناء والسينما وغيرها، رغم أنهم ارتادوا هذه الساحات بـ« أسماء مستعارة»، فهناك الكثير من نجوم الدراما السوريون ليسوا إلا أبناء مخيمات فلسطينية، وكذلك من نجوم الغناء اللبناني والأردني، إضافة إلى أن أول دار إنتاج سينمائي في مصر، أسسها كلُّ من الأخوين «إبراهيم وبدر لاما» الفلسطينيين العَائِدَينِ مِنَ تشيلي. وبرغم ذلك ظل الفلسطينيُّ قليلَ حظِّ في وسائل الإعلام، ورضيَ بذلك لأسباب كثيرة منها التنازل عن حقّه لصالح الخزان الثقافي القومي العربي، أو مجاراة الراهن والقبول بأي شيء مقابل حصوله على منبر إبداعيّ بأي ثمن.
قبضة الاحتلال القوية خنقت أصوات الفلسطينيين الذين تمكنوا من البقاء في أراضيهم، كما أن زلزال النكبة (1948) ومن بعده زلزال النكسة (1967) وما توالى بعد ذلك من أحداث كهزيمة أكتوبر السياسية عام (1973) واجتياح بيروت 1982 وما وازاه من مجازر ارتكبت في حق فلسطينيي لبنان من قبل الاحتلال الصهيوني، صرفت العقل الفلسطيني إلى الحرب والسياسة والشعر المقاوم، وأنْسَتْهُ لفترة طويلة أن الفن والرياضة وغيرها قد تسهم بشكل مباشر وسريع في تسويق قضيته ونيل تأييد دولي، تجلّى بعد ذلك في مواقف عدة وأحداث كثيرة شهدها هذا العالم، منها أولمبياد بيجين 2008 الذي رفع العلم الفلسطيني معترفا بها كدولة، فيما عبر عن «إسرائيل» بكونها كياناً.
ولعل الظاهرة الأهم تجلّت في شاب حمل على ظهره همّ عائلات مقهورة، وخرج من تحت الركام إلى القاهرة ليلتحق ببرنامج «أراب أيدول» عام 2013، عن وعي وجدارة، كما اتضح بعد ذلك أنه اختط طريقاً ذكياً لخدمة قضيته والتعبير عن هموم شعبه المكلوم، بأدائه وفنّه وصوته المدرّب تمكن «محمد عساف» من رفع علم فلسطين على الشاشة الأكثر مشاهدة في العالم العربي، ليعيد فلسطين إلى مقدمة الهموم العربية، ويقول لكل المشاهدين إن فلسطين حاضرة في كل وجع وابتسامة، وفي كل عرس ومأتم، وإن الفلسطينيين مازالوا قادرين على الحب والغناء..
محمد عساف
شارك
لماذا محمد عساف؟
فنانون فلسطينيون كثيرون من الشباب شاركوا في هذه المسابقات الجماهيرية، وحققوا مراكز متقدمة، ولكنهم لم ينالوا شرف تمثيل فلسطين بالشكل الذي ناله محمد عساف، وهذا الأمر يفتح باب تساؤلات كثيرة، يجيب عليها عساف دون أن يتكلم، يجيب عليها من خلال ما يقدّم وما يحس، وما يفكر..
فلقد تتبعتُهُ منذ فترة طويلة، ضامراً نية النقد، أجلس أمام الشاشة، وأحاول أن أقنع نفسي بأنه مجرد شاب متحمس، يريد أن يصنع لنفسه مجداً جماهيرياً فقط، إلا أنه بقامته الممشوقة وسحر جبهته السمراء كان يخطفني دائماً، ويثبت لي أنه جدير بتمثيل الفن الفلسطيني الجديد، ليس لأنه يملك قدرات فنية عالية فحسب، وليس لأنه مقبول الطلّة خفيف الظل فقط، إنما لأنه يمتلك طاقة وعيٍّ عالية، وثقافة نحتاجها نحن الفلسطينيون لتسويق قضيتنا، وكسب التأييد الدولي.
خمسة دول لاتينية أعلنت مقاطعة «إسرائيل» عقب العدوان الوحشي على غزة، لا شكَّ بأن مجتمعاتها قد سمعت بغزة أيام قرر اتحاد الفيفا أن يفتتح محمد عساف مونديال البرازيل، هذا ما أعنيه بالنسبة للتسويق للقضية، وهذا ما يجعل عساف مختلفاً عن غيره من مجايليه، ثقافته الوطنية المبنية على الوعي وليس على الشعار والعنجهية، حسّه المتّصل بحسّ أولاد حارته في غزة بشكل مباشر، لا المتسلل إلى فنان يجلس وراء الشاشة في فندق فخم يطل على بحر هادر الموج، ينتهي وجعه بمجرد أن يكبس على زر «Tweet» بتغريدة تضامن.
عساف الفنان المحبوب لتواضعه وحرصه على ردم المسافات بينه وبين جمهوره، ونزوله العادي إلى الشارع العام دون الذهاب إلى عمليات تجميل الداخل، لأنه على ثقة بجماله الداخلي الذي ينبع من أصالته والابتعاد عن تقليد أصنام الشهرة، أوقف كل حفلاته تضامناً مع أهله في غزة، اعتذر عن عدة مهرجانات لعل أهمها «تيمقاد» الجزائري، واعتذر مؤخراً عن حفلٍ خيريّ لدعم ضحايا غزة، ليس لأنه ينأى بنفسه عن الجرح، بل لأنه جزء أصيل من هؤلاء المجروحين، ولأنه مصاب أيضاً.
DSC00522
شارك
كنت أحلم أن أرى فناناً فلسطينياً مختلفاً كهذا الولد الأصيل، صوته المجروح الآن يمثلني، يمثلني أنا كإنسان وكشاعر لا كفلسطيني فحسب، فلقد رأيته يعانق إنساني الداخلي، ويبكيان، كلٌّ على كتف الآخر، لأنني أدرك تماماً أنه لو كان هذا العدوان الإسرائيلي على أي مدينة في العالم لاعتذر أيضاً عن النشاطات، واعتكف حتى يجف الدم، ويتحوّل إلى قبضة تتكور لتسدد لكمة في وجه الاحتلال.
عساف كلمة فلسطين إلى العالم
إن احتجاب الفنان الفلسطيني بهويته الفلسطينية عن مسرح الغناء، تسبب بتراجع اللهجة الفلسطينية، ووضعها في حيّز الاستهجان، حتى صار بعض الناس عندما يستمع إلى أغنية تراثية من الشمال الفلسطيني يظنها لبنانية لتقارب اللهجة، تماماً مثل تلك التي أدّاها عساف على المسرح «يا طير الطاير» التي توشحت بكلمات أُسقطت فيها الهاء من ضمير الغائبة، مثل «تجمعنا بديارا» بدلاً من «تجمعنا بديارها»، فقلة هم من يعرفون أن شماليي فلسطين يلفظونها على هذه الشاكلة أيضاً، وحين يسمع آخَرُ أغنية تراثية من الجنوب الفلسطيني مثل «حيّد عن الجيشِ يا غبيشي» يظنونها أردنية لتقارب اللهجة أيضاً، ولانقطاع الأغنية الفلسطينية الجديدة، ففنانو فلسطين في الخارج ذهبوا إلى غناء لهجات عربية أخرى كالمصرية واللبنانية والخليجية، ونسوا دورهم في إحياء اللهجة التي يحاربها الاحتلال ويسرق بيئتها العامة: من أرضٍ وزيٍّ ومطبخ أيضاً، ويقدمها للعالم على أنها «إسرائيلية».
حرصُ عساف تجاوز مسافات كثيرة حتى حطّ هناك على هذه النقطة أيضاً، فلقد أخبرنا أنه سيقدم أغنيتين باللهجة الفلسطينية في ألبومه المنتظر، واحدة وطنية وأخرى عاطفية، قد يكون غريباً أنني انشددتُ للعاطفية أكثر من انشدادي للوطنية، ليس لأنني مريض في وطنيتي، ولكن لأن مكتبة الأغنية الوطنية الفلسطينية زاخرةٌ منذ الستينيات، أما الأغنية العاطفية التي تلمس المجتمع بكل شرائحه فقد غابت منذ زمن، حتى جاء الفارس الأسمر وقرر أن يفعّلها، ليؤكد للعالم أن الفلسطينيّ يقاتل في الأنفاق، ثم يغتسل ويتعطّر و ينزل إلى المقهى امتثالاً لموعد غراميّ، فليست للاحتلال قدرة على تشويه قلوبنا مهما فعل، فلسطين عاصمة الحرب والحب في آن معاً، ولن ينال الدخان من وردها.
اضبطوا إنسانيتكم أيها الأصنام
محمد عسّاف جدير بما يلقاه من اهتمام، وعلى فنانين كبار أن يتعلموا ضبط إنسانيتهم على هذا النحو، فنحن كمستمعين، لا نحتاج أصوتاً جميلة فحسب، إنما نحتاج إحساساً صادقة ودموعاً وابتساماتٍ تطلع سلّم القلب درجة درجة قبل أن تصل إلينا، فقد سئمنا شعارات السياسيين الكاذبة تماماً كما سئمنا صور النجوم بجانب ضحايا الحروب، هذا الفتى الفلسطينيّ تمكّن دون أن ينوي من كشف زيف أحاسيس الكثيرين، نجح في ذلك لأنه استمع إلى داخله جيداً، وانصرف عن نصائح المشوَّهين، وعلّمهم الحب الحقيقي المنسكب من قلبٍ رطبٍ ونَضِرٍ، عساف اعتذر بحزمِ وإصرار «الغزازوة» الذي غدا معروفاً عالمياً، عن أي ظهور صحفي أو تلفزيوني أو مسرحي، احتجاجاً على ما يجري في العالم من ظلم، وانتصاراً لقضية الإنسان التي تعتبر فلسطين جزءاً من فسيفسائها، وصدّر ذلك ببيانه الذي نشره على صفحته في فيسبوك حول اعتكافه المؤقت.
سلطان القيسي-كسرة
والفن الفلسطيني كغيره من الفنون الأصيلة يستند إلى حضارة تمتد إلى مطلع القرن الثالث قبل الميلاد، وحسب آخرين تمتد إلى القرن السابع قبل الميلاد.. غير أن الكنعانيين على خلاف الشعوب السامية الأخرى، وضعوا الموسيقا على رأس هرمهم الحضاري، فكما يرد في بحث أجرته البعثة الفلسطينية في المملكة المتحدة، فإن الكنعانيين امتلكوا طقوساً دينية مبنية على أساس موسيقي راسخٍ، اقتبسوه من شعوب المناطق المقابلة للساحل، وقولبوه في قالب ديني جديد، وبدأوا يبثونه عبر صولاتهم وجولاتهم، حتى أصبح دون أن يشعر أحد تراثاً موسيقياً متوسطياً.
إن احتلال فلسطين عام 48 وتشريد أهلها، وتوريطهم في الدفاع عن حياتهم والنيل من عدوّهم، ربما كان العامل الأهم في إبعادهم عن ساحات إبداعية كثيرة، كالرياضة والغناء والسينما وغيرها، رغم أنهم ارتادوا هذه الساحات بـ« أسماء مستعارة»، فهناك الكثير من نجوم الدراما السوريون ليسوا إلا أبناء مخيمات فلسطينية، وكذلك من نجوم الغناء اللبناني والأردني، إضافة إلى أن أول دار إنتاج سينمائي في مصر، أسسها كلُّ من الأخوين «إبراهيم وبدر لاما» الفلسطينيين العَائِدَينِ مِنَ تشيلي. وبرغم ذلك ظل الفلسطينيُّ قليلَ حظِّ في وسائل الإعلام، ورضيَ بذلك لأسباب كثيرة منها التنازل عن حقّه لصالح الخزان الثقافي القومي العربي، أو مجاراة الراهن والقبول بأي شيء مقابل حصوله على منبر إبداعيّ بأي ثمن.
قبضة الاحتلال القوية خنقت أصوات الفلسطينيين الذين تمكنوا من البقاء في أراضيهم، كما أن زلزال النكبة (1948) ومن بعده زلزال النكسة (1967) وما توالى بعد ذلك من أحداث كهزيمة أكتوبر السياسية عام (1973) واجتياح بيروت 1982 وما وازاه من مجازر ارتكبت في حق فلسطينيي لبنان من قبل الاحتلال الصهيوني، صرفت العقل الفلسطيني إلى الحرب والسياسة والشعر المقاوم، وأنْسَتْهُ لفترة طويلة أن الفن والرياضة وغيرها قد تسهم بشكل مباشر وسريع في تسويق قضيته ونيل تأييد دولي، تجلّى بعد ذلك في مواقف عدة وأحداث كثيرة شهدها هذا العالم، منها أولمبياد بيجين 2008 الذي رفع العلم الفلسطيني معترفا بها كدولة، فيما عبر عن «إسرائيل» بكونها كياناً.
ولعل الظاهرة الأهم تجلّت في شاب حمل على ظهره همّ عائلات مقهورة، وخرج من تحت الركام إلى القاهرة ليلتحق ببرنامج «أراب أيدول» عام 2013، عن وعي وجدارة، كما اتضح بعد ذلك أنه اختط طريقاً ذكياً لخدمة قضيته والتعبير عن هموم شعبه المكلوم، بأدائه وفنّه وصوته المدرّب تمكن «محمد عساف» من رفع علم فلسطين على الشاشة الأكثر مشاهدة في العالم العربي، ليعيد فلسطين إلى مقدمة الهموم العربية، ويقول لكل المشاهدين إن فلسطين حاضرة في كل وجع وابتسامة، وفي كل عرس ومأتم، وإن الفلسطينيين مازالوا قادرين على الحب والغناء..
محمد عساف
شارك
لماذا محمد عساف؟
فنانون فلسطينيون كثيرون من الشباب شاركوا في هذه المسابقات الجماهيرية، وحققوا مراكز متقدمة، ولكنهم لم ينالوا شرف تمثيل فلسطين بالشكل الذي ناله محمد عساف، وهذا الأمر يفتح باب تساؤلات كثيرة، يجيب عليها عساف دون أن يتكلم، يجيب عليها من خلال ما يقدّم وما يحس، وما يفكر..
فلقد تتبعتُهُ منذ فترة طويلة، ضامراً نية النقد، أجلس أمام الشاشة، وأحاول أن أقنع نفسي بأنه مجرد شاب متحمس، يريد أن يصنع لنفسه مجداً جماهيرياً فقط، إلا أنه بقامته الممشوقة وسحر جبهته السمراء كان يخطفني دائماً، ويثبت لي أنه جدير بتمثيل الفن الفلسطيني الجديد، ليس لأنه يملك قدرات فنية عالية فحسب، وليس لأنه مقبول الطلّة خفيف الظل فقط، إنما لأنه يمتلك طاقة وعيٍّ عالية، وثقافة نحتاجها نحن الفلسطينيون لتسويق قضيتنا، وكسب التأييد الدولي.
خمسة دول لاتينية أعلنت مقاطعة «إسرائيل» عقب العدوان الوحشي على غزة، لا شكَّ بأن مجتمعاتها قد سمعت بغزة أيام قرر اتحاد الفيفا أن يفتتح محمد عساف مونديال البرازيل، هذا ما أعنيه بالنسبة للتسويق للقضية، وهذا ما يجعل عساف مختلفاً عن غيره من مجايليه، ثقافته الوطنية المبنية على الوعي وليس على الشعار والعنجهية، حسّه المتّصل بحسّ أولاد حارته في غزة بشكل مباشر، لا المتسلل إلى فنان يجلس وراء الشاشة في فندق فخم يطل على بحر هادر الموج، ينتهي وجعه بمجرد أن يكبس على زر «Tweet» بتغريدة تضامن.
عساف الفنان المحبوب لتواضعه وحرصه على ردم المسافات بينه وبين جمهوره، ونزوله العادي إلى الشارع العام دون الذهاب إلى عمليات تجميل الداخل، لأنه على ثقة بجماله الداخلي الذي ينبع من أصالته والابتعاد عن تقليد أصنام الشهرة، أوقف كل حفلاته تضامناً مع أهله في غزة، اعتذر عن عدة مهرجانات لعل أهمها «تيمقاد» الجزائري، واعتذر مؤخراً عن حفلٍ خيريّ لدعم ضحايا غزة، ليس لأنه ينأى بنفسه عن الجرح، بل لأنه جزء أصيل من هؤلاء المجروحين، ولأنه مصاب أيضاً.
DSC00522
شارك
كنت أحلم أن أرى فناناً فلسطينياً مختلفاً كهذا الولد الأصيل، صوته المجروح الآن يمثلني، يمثلني أنا كإنسان وكشاعر لا كفلسطيني فحسب، فلقد رأيته يعانق إنساني الداخلي، ويبكيان، كلٌّ على كتف الآخر، لأنني أدرك تماماً أنه لو كان هذا العدوان الإسرائيلي على أي مدينة في العالم لاعتذر أيضاً عن النشاطات، واعتكف حتى يجف الدم، ويتحوّل إلى قبضة تتكور لتسدد لكمة في وجه الاحتلال.
عساف كلمة فلسطين إلى العالم
إن احتجاب الفنان الفلسطيني بهويته الفلسطينية عن مسرح الغناء، تسبب بتراجع اللهجة الفلسطينية، ووضعها في حيّز الاستهجان، حتى صار بعض الناس عندما يستمع إلى أغنية تراثية من الشمال الفلسطيني يظنها لبنانية لتقارب اللهجة، تماماً مثل تلك التي أدّاها عساف على المسرح «يا طير الطاير» التي توشحت بكلمات أُسقطت فيها الهاء من ضمير الغائبة، مثل «تجمعنا بديارا» بدلاً من «تجمعنا بديارها»، فقلة هم من يعرفون أن شماليي فلسطين يلفظونها على هذه الشاكلة أيضاً، وحين يسمع آخَرُ أغنية تراثية من الجنوب الفلسطيني مثل «حيّد عن الجيشِ يا غبيشي» يظنونها أردنية لتقارب اللهجة أيضاً، ولانقطاع الأغنية الفلسطينية الجديدة، ففنانو فلسطين في الخارج ذهبوا إلى غناء لهجات عربية أخرى كالمصرية واللبنانية والخليجية، ونسوا دورهم في إحياء اللهجة التي يحاربها الاحتلال ويسرق بيئتها العامة: من أرضٍ وزيٍّ ومطبخ أيضاً، ويقدمها للعالم على أنها «إسرائيلية».
حرصُ عساف تجاوز مسافات كثيرة حتى حطّ هناك على هذه النقطة أيضاً، فلقد أخبرنا أنه سيقدم أغنيتين باللهجة الفلسطينية في ألبومه المنتظر، واحدة وطنية وأخرى عاطفية، قد يكون غريباً أنني انشددتُ للعاطفية أكثر من انشدادي للوطنية، ليس لأنني مريض في وطنيتي، ولكن لأن مكتبة الأغنية الوطنية الفلسطينية زاخرةٌ منذ الستينيات، أما الأغنية العاطفية التي تلمس المجتمع بكل شرائحه فقد غابت منذ زمن، حتى جاء الفارس الأسمر وقرر أن يفعّلها، ليؤكد للعالم أن الفلسطينيّ يقاتل في الأنفاق، ثم يغتسل ويتعطّر و ينزل إلى المقهى امتثالاً لموعد غراميّ، فليست للاحتلال قدرة على تشويه قلوبنا مهما فعل، فلسطين عاصمة الحرب والحب في آن معاً، ولن ينال الدخان من وردها.
اضبطوا إنسانيتكم أيها الأصنام
محمد عسّاف جدير بما يلقاه من اهتمام، وعلى فنانين كبار أن يتعلموا ضبط إنسانيتهم على هذا النحو، فنحن كمستمعين، لا نحتاج أصوتاً جميلة فحسب، إنما نحتاج إحساساً صادقة ودموعاً وابتساماتٍ تطلع سلّم القلب درجة درجة قبل أن تصل إلينا، فقد سئمنا شعارات السياسيين الكاذبة تماماً كما سئمنا صور النجوم بجانب ضحايا الحروب، هذا الفتى الفلسطينيّ تمكّن دون أن ينوي من كشف زيف أحاسيس الكثيرين، نجح في ذلك لأنه استمع إلى داخله جيداً، وانصرف عن نصائح المشوَّهين، وعلّمهم الحب الحقيقي المنسكب من قلبٍ رطبٍ ونَضِرٍ، عساف اعتذر بحزمِ وإصرار «الغزازوة» الذي غدا معروفاً عالمياً، عن أي ظهور صحفي أو تلفزيوني أو مسرحي، احتجاجاً على ما يجري في العالم من ظلم، وانتصاراً لقضية الإنسان التي تعتبر فلسطين جزءاً من فسيفسائها، وصدّر ذلك ببيانه الذي نشره على صفحته في فيسبوك حول اعتكافه المؤقت.
سلطان القيسي-كسرة








