بلا تأمين صحيّ، وبلا مصدر ثابت للدخل، وجدتُ قدماي، أو بالأحرى أسناني، تقودني مضطرّاً إلى عيادة طبيب الأسنان.

الطبُّ يتطوّر، وبموازاة ذلك تتطوّر معه الإجراءات الإداريّة المُسانِدة والأرشفة الإلكترونيّة لبيانات المرضى ومعلوماتهم (هل مريض الأسنان مريض بالمعنى الحرفيّ للكلمة؟!).

نظام الأرشفة المُستخدَم لدى الطبيب الذي أوصى به أحد الأقارب يستدعي معرفة تاريخ الميلاد الدقيق باليوم والشهر والسنة، ولا يكفي أن أقول مواليد الـ 79 (هرمنا!).

ويستدعي أيضاً معرفة الحالة الاجتماعيّة وعدد الأبناء، وهذه سهلة: أعزب، أبتر (هل يمكن أن يستقبل نظام أرشفة إلكترونيّ حديث ومتطوّر كلمة مثل أبتر؟!).

ويستدعي معرفة المهنة، وهنا دائماً تقع المُعضِلة، وتحدث الإشكاليّة، وأرتبكُ، وأتردّدُ، ولا أدري بماذا أُجيب!

أنا رسميّاً بدون وظيفة أو عمل ثابت منذ حوالي ستّ سنوات.

وخلال هذه المدّة لم أقم سوى ببعض "الطقاطيق" هنا وهناك: تدريس مادة جامعيّة على نظام الإضافيّ.. بحث ميدانيّ لصالح الجهة الفلانيّة.. استشارة اتصاليّة لصالح الجهة العلتانيّة.. كاتب سيناريو ومُخرج ومُجري مّقابلات ومونتير وعتّال خمسة في واحد لصالح شركة إنتاج مملوكة لصديق تعمل بنظام "الفزطة" (الفزعة/ القطعة).. ومن حين لآخر يتسنّى لي نشر مادة ما عبر إحدى المجلات القليلة التي ما تزال تمنح مكافآت ماديّة نظير استكتاباتها من باب "المعونة" أو الصدقة المُقنَّعة!

ولكن جميع هذه الأشغال، أو "السبع صنايع" كما يقولون، لا ترتقي لأن تكون مهنة، على الأقل بما يكفي لتثبيتها في سجلات وأراشيف رسميّة (هل يجوز جمع أرشيف جمع تكسير على وزن أفاعيل؟!).

أأقولُ "أنا عاطل عن العمل" واستريح؟!

ولكن صفة عاطل عن العمل في مثل هذا السياق هي سلاح ذو حدّين:

إمّا أن يتخوّف الطبيب من ملاءتي الماليّة، وبالتالي يحاول أن "يسكوجني" كيفما اتفق، ويتخلّص مني و"يزحلقني" بأسرع ما يمكن بكوني لا أصلح استثماراً طويل الأمد!

وإمّا على النقيض، قد يفترضُ أنّني "زنقيل" و"مليان" و"دفيان" و"مش سائل" ولهذا السبب أنا عاطل عن العمل في مثل هذا العمر (على طريقة صيت غنى ولا صيت فقر)، الأمر الذي قد يدفعه للتوسّع في إجراءاته الطبيّة وصولاً إلى إقناعي مثلاً بعمل تقويم لأسناني (أخيراً)، أو الظفر بابتسامة هوليووديّة (كيف لا وأنا أحمل اسماً رابعاً رنّاناً)!

أحياناً يتبادر إليّ التعريف بنفسي باعتباري "مُزارعاً" بكون هذا أقرب شيء إلى "العمل" زاولتُهُ خلال السنتين الماضيتين.. ولكن هذه أيضاً لا تستقيم.

فأنا لم أزرع للآن شيئاً يُدرُّ الدخل، وحتى "الخبيزة" و"الخِردلّة" و"الشومر" و"الخُرفيش" و"القُرّيص" التي تنمو طبيعيّاً ومن تلقاء نفسها لم أنجح في استغلالها!

وجلُّ ما قمتُ به للآن من "سقاية" و"تِقْناية" (من قناة) و"نكش" و"تجوير" في بستان المرحوم جدّي (المزارع العتيد) هو أقرب لـ "المعاثرة" منه إلى العمل؛ بكون "إلّي مش إلك مش إلك" كما يقول المثل، وبكوني أقوم بذلك وسط حقل ألغام من أمزجة الورثة وأبنائهم وأنسبائهم الذين يمتلك كلّ واحد منهم الأحقيّة ويتوسّم في نفسه الأهليّة.. وبكون أقرب المُقرّبين منّي لا يؤمنون حقيقةً بقدراتي الزراعيّة، أو حتى بقدرتي على التعلّم، سواء بالبحث والتحصيل، أو بالتجربة والخطأ، أو على الأقل أسوة بغيري ممن تعلّموا البيطرة بحمير النَور!

وحتى عندما قرّرتُ التوجّه إلى فراط الزيتون، فقد تزامن حظي مع أسوأ موسم شهدته البلد منذ أمد طويل!

المهارة الزراعيّة الوحيدة التي أدّعي أنّني أتقنها إلى حدّ معقول هي تقليم الأشجار، ولكن حتى هذه لم أنجح في إرسائها كمهنة ثابتة؛ فالذين لا يعرفونني من أصحاب الحدائق والجناين يفضّلون عليّ العمّال الوافدين الذين يحتكرون هذا القطاع، من قبيل أنّ "القط بحب خنّاقه"، وبكون العامل الوافد مِطْوَاع (ظاهريّاً)، وتستطيع أن "تتأنبر" عليه، وعند الإيجاب يمكنك أن "تبهدله" وتُغلِظ له القول وتكيل إليه التهديد والوعيد كيفما تشاء.. حتى وإنْ كنتَ ستكتشف في نهاية المطاف أنّه قد ضحك عليك!

وأمّا الذين يعرفونني، فمنهم الذي يشاركون أقرب الناس إليّ من حيث عدم الثقة بقدراتي (من وين لوين هالمفزلك صار بفهم بالقنابة؟!)، أو يتحرّجون من الاستعانة بخدماتي باعتبار أنّني "دكتور" ومثل هذا العمل لا يليق بمقامي ومكانتي الاجتماعيّة (وكأنّ البطالة والطفر يعرفان مقامات ومكانات)!

قد يعترض بعض المُحبّين الصادقين ويقولون: أنتَ لستَ عاطلاً عن العمل.. أنت كاتب.. تكتب المقالات بصورة يوميّة أو شبه يوميّة.. ولا تكاد تنقضي سنة إلّا ونرى لك إصداراً أدبيّاً جديداً يخرج للنور.. وهذا كلّه عملٌ ومهمٌ ومفيدٌ للناس.. فلماذا تصرّ على وصف نفسك بـ "العاطل"؟!

حسناً، بالنسبة للمقالات فقد ولّى من زمااان الزمنُ الذي كانت فيه "كاتب مقالة" صفة اعتباريّة يُعتدّ بها ويمكن أن تكفل لصاحبها "الاكتفاء" أو "السُترة"!

كتّاب المقالات هذه الأيام "على قفا مَن يشيل"، ووسائل الإعلام في مجملها تنشر المقالات من قبيل الحشو، وعلى حساب "عِشْت"، ومن باب "إلّي ببلاش كثّر منه".. بل أنتَ ككاتب مقال المُطالَب بأن تُبدي الشكر وتُظهر الامتنان والعرفان على تكرّمهم بنشر مقالك.

والقلة القليلة الباقية من كتّاب المقالة الذين ما يزالون يتلقّون رواتب أو مكافآت نظير مقالاتهم، هم كذلك لاعتبارات أخرى ليس لها بالضرورة علاقة باقتدارهم، أو جودة كتاباتهم، أو مدى اقتناع الناس بهم أو قدرتهم على اقناع الناس!

وما يسري على كتابة المقالات هنا يسري أيضاً على الكتابة الأدبيّة وكتّاب الأدب مضروباً بعشرة!

بل في مرحلة معيّنة يصبح جلّ ما يصبو إليه كاتب الأدب الذي ليس له ثروة تسنده، أو جهة تُمكّنه، أو فئة تآزره، أو شلّة تحتضنه، أو عزوة تفزع له.. أن "يطلع راس بطاقيّة"، ولا يضطر للدفع من جيبه الخاص من أجل نشر أعماله وإيصالها للناس!

وعلى ذكر أعمالي، ماذا لو جربتُ إحياء نظام المقايضة، وأخذتُ لطبيب الأسنان نسخاً من إصداراتي في الموعد القادم، هل سيوافق، أم أنّ جميع ما أكتب لا يساوي حشوة سنّ أو سحب عصب؟!

ماذا لو حاولتُ تجربة المقايضة مع مقدّمي خدمات آخرين، سائق التاكسي مثلاً بحكم ارتفاع تكاليف التنقّل بالنسبة لشخص لا يمتلك سيّارة مثلي.. أو صاحب المنزل الذي نستأجره.. أو شركات الماء والكهرباء والاتصالات.. أو بقّال الحارة.. أو بائع الأحذية بحكم أنّني أهري الكثير من النعال؟!

بالعودة إلى صنايعي السبعة، أحدث انهماكاتي من أجل إقناع نفسي أنّني ذو جدوى، وأقوم بشيء ما في هذه الحياة، محاولتي اتقان صناعة "حلاوة السميد"، أو ما تُعرَف شعبيّاً بـ "الكْرَيْزة"، مع إدخال بعض التعديلات والتحسينات عليها من أجل مواكبة روح العصر: كريزة بالحليب المُحمَّص، كريزة بالكراميل.

للأسف فإنّ محاولاتي بهذا الخصوص قد باءت لغاية الآن بالفشل، ولم تلقَ "كريزتي" استحسان كلّ الذين جرّبوها بكونها (مثل مقالاتي) تخلو من السُكّر، أو إذا أضفته ففي حدوده الدنيا!

أنا أحاول أن أصنع للآخرين ذات "الكريزة" التي أرضاها لنفسي، "كريزة" تفيد صحتهم، أو على الأقل لا تضرّ بهم!

ولكن كما قلتُ: "القط بحبّ خنّاقه"؛ أليستْ "الكريزة" من الحلويات، إذن يجب أن تكون حلوةً مُفرطةَ الحلاوة، ويجب أن أُغرقها بالسكّر نزولاً عند رغبة "الزباين"، ولا علاقة لي بسُمنَتهم، أو بمقاومة الأنسولين لديهم، أو بالسوس الذي سينخر أسنانهم ويضطرهم للذهاب إلى طبيب الأسنان مثلي!

رمضان على الأبواب، وفي حال نجاح "كريزتي" قد أعمد إلى نصب بسطة بيع في الشارع بكوني أسكن قريباً من شارع دوليّ وتقاطع حيويّ، وهذا سيكون جديدى لهذه السنة ردّاً على سؤال بعض الأحبّة!

كلّ رمضان وأنتم بخير، وكلّ "كريزة" وأنتم بخير، ولا أراكم الله مكروهاً بأضراس عقل أو طواحين أو أنياب أو قواطع!