في كل مرة يُفتح فيها ملف قانون الضمان الاجتماعي الأردني، يتجدّد السؤال القديم: هل نحن أمام إصلاحٍ حقيقي يحمي الناس، أم أمام عملية حسابية تُعيد ترتيب الأرقام على حساب أعمارهم؟
التعديل المقترح برفع سن التقاعد إلى 65 عامًا للرجل و60 عامًا للمرأة لا يبدو مجرّد بند قانوني عابر، بل تحوّلًا يمسّ جوهر الفكرة التي قام عليها الضمان: أن يكون ملاذًا أخيرًا للإنسان حين تضعف قدرته على العمل، لا أن يتحول إلى امتحان صبرٍ إضافي.

-بين منطق الأرقام وواقع الناس

قد يقول المدافعون عن التعديل إن متوسط العمر ارتفع، وإن صناديق التقاعد تحتاج إلى توازن طويل الأمد، وإن عدد المشتركين لا يكفي لمواجهة الالتزامات المستقبلية. هذه حجج تُفهم في سياقها المالي، لكن السؤال الأهم:
هل تُقاس حياة الناس بمتوسطات إحصائية؟
في الأردن، قد يصل متوسط العمر إلى ما يقارب 73 عامًا، لكن أي حياةٍ تلك التي يعيشها كثيرون بعد الستين؟ أمراض مزمنة، دخل محدود، وقلق دائم من الغد. رفع سن التقاعد في هذا السياق لا يعني "تمديد سنوات العطاء” بقدر ما يعني تأجيل لحظة الراحة التي انتظرها العامل عقودًا.

-مفارقة المرأة… بين النص القانوني والواقع الاجتماعي

رفع سن تقاعد المرأة إلى 60 عامًا يبدو للبعض خطوة نحو "المساواة”، لكنه يغفل حقيقة أن كثيرًا من النساء يحملن عبئًا مزدوجًا: عملًا مأجورًا داخل المؤسسة، وعملًا غير مأجور داخل البيت.
الضمان الذي لا يحتسب فترات الانقطاع بسبب الأمومة، أو البطالة القسرية، أو العمل الجزئي، لا يمكنه أن يطالب المرأة بمزيد من السنوات دون أن يمنحها حماية أوسع.
المساواة لا تُختزل برفع رقم، بل تُبنى عبر سياسات تراعي خصوصية الواقع الاجتماعي والاقتصادي.

-الشباب خارج المعادلة

ثمة مفارقة أخرى لا تقل خطورة: كيف نرفع سن التقاعد في بلدٍ يعاني من بطالة مرتفعة بين الشباب؟
حين يبقى الموظف في موقعه حتى الخامسة والستين، فإن شابًا آخر ينتظر فرصة قد تتأخر سنوات إضافية. هكذا تتحول المعادلة من حماية الأجيال إلى مزاحمة بينها.

الضمان الاجتماعي ليس صندوقًا ماليًا فحسب، بل جزء من منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة. وأي تعديل لا يقرأ المشهد كاملًا قد يعمّق الاختلال بدل أن يعالجه.

-مجلس النواب… اختبار المسؤولية الوطنية

اليوم، يقف مجلس النواب الأردني أمام لحظة اختبار حقيقية. فالمجلس ليس مجرد محطة تشريعية تمرّ عبرها القوانين، بل هو صوت الناس ودرعهم الأخير في مواجهة أي تعديل قد يمسّ حقوقهم الأساسية.
إن مسؤولية النواب تفرض عليهم أن يقفوا بوضوح في وجه هذا التعديل الجائر إن لم يُعاد النظر فيه جذريًا، وأن يطالبوا بحوار وطني شامل، ودراسات شفافة، وضمانات حقيقية تحمي العمال والموظفين. فالتشريع الذي يمسّ أعمار المواطنين وكرامتهم لا يجوز أن يُمرّر دون تمحيص عميق، ولا تحت ضغط اعتبارات مالية بحتة.

-وقف نزيف الرواتب الفلكية…

العدالة تبدأ من هنا
وإذا كان الحديث عن حماية صناديق الضمان جديًا، فإن أولى الخطوات لا تكون برفع سن التقاعد على أصحاب الرواتب المحدودة، بل بوقف النزيف الناتج عن رواتب تقاعدية فلكية حصل عليها قلة قليلة.
لا يعقل أن يُطلب من العامل الذي أفنى عمره براتب متواضع أن ينتظر سنوات إضافية، بينما تُصرف مبالغ مرتفعة جدًا لا تنسجم مع فلسفة التكافل الاجتماعي.
العدالة تقتضي إعادة النظر في سقوف الرواتب التقاعدية، وربطها بمعايير منصفة، لأن الضمان ليس امتيازًا لنخبة، بل شبكة أمان للمجتمع بأكمله.

-الضمان… فكرة كرامة قبل أن يكون حسابًا ماليًا

المشكلة ليست في الإصلاح بحد ذاته، بل في اتجاهه.
إذا كان الهدف حماية الصندوق، فليكن ذلك عبر توسيع قاعدة الاشتراك، ومكافحة التهرب، وتعزيز الاستثمارات الرشيدة، وخلق فرص عمل حقيقية. أما أن يكون الطريق الأسهل هو رفع سن التقاعد، فذلك يرسل رسالة قاسية للمواطن مفادها أن الأعباء تُدار دائمًا من جيبه وعمره.
الضمان الاجتماعي وُجد ليمنح الإنسان طمأنينة في شيخوخته، لا ليحوّل سنواته الأخيرة إلى سباق مع التعب.

-نقاش وطني

ليس المطلوب رفض أي تعديل لمجرد الرفض، بل فتح نقاش وطني واسع، شفاف، تشارك فيه النقابات، وأصحاب العمل، والخبراء، وممثلو العمال.
القرارات التي تمسّ أعمار الناس لا يجوز أن تُتخذ في غرف مغلقة أو تحت ضغط الأرقام وحدها.
فالضمان الاجتماعي ليس مجرد قانون…
إنه عقد ثقة بين الدولة والمواطن.
وحين تهتزّ الثقة، لا تنقذها الحسابات وحدها.