منذ ان اجتزت مرحله الطفوله وانا اشعر انني مواطن اردني بدرجه 10 وما يزال هذا الشعور يطاردني في كل مكان في الدوائر الحكوميه والمستشفيات والشركات الخاصه والبنوك في المعاملات وتقديم الطلبات في التامين الصحي والضمان الاجتماعي وعند المقاهي والاماكن السياحيه وحتى عند دخول المولات .

ومنذ ان كبرت واعدت اكتشاف العديد من الاشياء وبدات عمليه اعاده التفكير من جديد وانتهت مرحله التحليق والعواطف والاحاسيس وحاله الرومانسيه وبدات مرحله الهبوط نحو الواقع والاصطدام بالمطبات نحو المطبات بدات اشعر انني درجه 10 .

وانني كلما تقدمت قليلا تراجعت درجه او درجتان كالاغنيه التي ذهب بريقها وجاءت اخرى لتسرق مستمعيها .

درجه عاشره في الامتيازات في الحقوق في الكلام في النقاش في الانتخابات في اللقاءات المغلقه والمفتوحه التي يعقدها المسؤولين والمثقفين لمناقشة قضايا الناس بدون اخذ راي الناس ومعالجه قضايا الشباب بدون حضور الشباب .

وبدأت اخطط ان اصبح درجه اولى فحلمت بأن اصبح مذيعا ففشلت لانني لا اتقن التلميع ولا اريد ان اردد وعودا لا اعرف حقيقتها .

حلمت بان اصبح كاتبا وحينما بدأت اعيدت صياغة كل كلماتي بحجة الرزانه وقوانين النشر .

حلمت بان اعيش بمستوى جيد من الرفاهيه المشروعه كأبناء الطبقات الراقي والمسؤولين ، بأن البس من الموديلات التي يلبسون منها وان اسكن احيائهم وان ارتاد اماكنهم وان اتحدث مثل لغتهم تلك اللغه الملفوفه بالرصانه والكلمات الحديثه الاجنبيه لكنني لم افلح .

اصبحت معلما وحينما بدات بجديه عاليه وهممت بشرح كل سطر وكان الزبد يتطاير من شفتي وعند اول فصل تأخر فيه راتبي بدات اشعر باليأس وصار جل همي ان لا اتأخر عن الدوام الاخر الذي اعمل فيه كي اسدد التزاماتي .

حلمت بان اسافر مثلهم من بلد الى بلد ومن ندوه الى اخرى ومن خطاب الى خطاب من اجل الوطن ومصلحه الوطن وبناء شراكه استراتيجيه لكنني لم افلح .

حلمت بالعمل الحزبي وما كدت اضع رجلي عند مقر اول حزب حتى انهمرت علي اللافتات والشعارات والاسماء الرنانه والخطابات الغير مفهومه والمصطلحات السياسيه الصعبه التي لا اعرفها وضعت بين الايديولوجيات والبرامج والمنافسات على المناصب الحكوميه والاحتفالات وعرفت انني مجرد رقم بيولوجي .

وانني لست ابدا ضمن التجربه الوطنيه وانني اقف خلف الطوابير الطويله التي جاءت كي تملئ استثمارات الانضمام والجلوس الى الموائد ومنذ ذلك اليوم انتهى العمل الحزبي لدي قبل ان يبدأ للأبد .

كل ما ذهبت الى ندوه او مؤتمر شعرت بانني لست مرحبا به وان شخصا سوف يسألني باي لحظه ماذا تفعل هنا واذا جلست فليس بأمكاني الحديث .

يا وطني الذي اهديته كلماتي في الصفوف الابتدائيه على منبر الاذاعه المدرسيه اذا كنت بالنسبه لك شخصا غير مرغوب فيه امنحني اذنا بالسفر وانا اعدك انني سوف اعفيك من ذرف الدموع ولحظات الوداع حتى لا تشعر بالذنب