بعد عقود طويلة من احتكار الرواية، لم تعد السردية الصهيونية في الولايات المتحدة محصّنة كما كانت. الجديد والخطير في هذا التحول لا يكمن في اتساع النقد السياسي للدولة الصهيونية فحسب، بل في انهيار الغطاء اللاهوتي الذي وفّر لها شرعية دينية داخل أحد أقوى التيارات المؤثرة في القرار الأمريكي: التيار البروتستانتي الإنجيلي.

في قلب هذا التحول، يبرز اسم ريك وايلز بوصفه أكثر من مجرد إعلامي ومفكر إنجيلي امريكي ومؤسس منصة TruNews، بل كـ ظاهرة فكرية–دينية تعبّر عن تمرّد من الداخل، وعن تصدّع عميق في البنية العقائدية التي استثمرتها إسرائيل طويلًا لتبرير احتلال فلسطين كاملة.

من الدعم المطلق إلى المواجهة اللاهوتية
لأكثر من سبعة عقود، نجحت الصهيونية في توظيف تيار واسع داخل البروتستانتية الإنجيلية الأمريكية، قائم على تفسير انتقائي محرف للنصوص التوراتية، يربط قيام ما يسمى "إسرائيل" و"توسعها" و"سيطرتها على كامل فلسطين" بسردية لاهوتية كبرى عنوانها: التمهيد لعودة المسيح ونهاية الزمان. هذا التيار لم يكن هامشيًا، بل تحوّل إلى قوة ضغط هائلة داخل المجتمع الأمريكي، خصوصًا في الكونغرس والبيت الأبيض والإعلام ومراكز صنع القرار. هنا تكمن أهمية ريك وايلز ونقضه لعرى هذه السردية مستشهدا بنصوص توراتية غير محرفة ومن فهم عميق وغير مشوه لتعاليم المسيح عيسى عليه السلام.

اختراق من الداخل لا من الخارج
قيمة وايلز السياسية لا تأتي من معاداته للدولة الصهيونية فحسب، بل من موقعه العقدي نفسه. فهو لا يتحدث من خارج الكنيسة الإنجيلية، ولا من موقع يساري أو علماني، بل من قلب التيار البروتستانتي، مستخدمًا لغته ومفرداته ونصوصه، ومخاطبًا جمهوره التاريخي. هذا ما يجعل خطابه خطرًا على البنية الأيديولوجية التي بنتها إسرائيل داخل الوعي الإنجيلي الأمريكي.
وايلز يهاجم بشكل مباشر ما يسميه "الصهيونية المسيحية"، ويعتبرها: انحرافًا لاهوتيًا يخدم مشروعًا سياسيًا لا علاقة له بالمسيحية، وتوظيفًا سياسيا للدين لخدمة مشروع استعماري، وتحويل الإيمان إلى أداة تبرير للقتل والتهجير والاستيطان وطرد شعب كامل من أرضه.

تفريغ السردية الصهيونية من بعدها المقدّس
أخطر ما فعله التيار الإنجيلي المؤيد للدولة الصهيونية هو تحويل الاحتلال إلى قدر مقدس، والنقد إلى خطيئة دينية ومعادة للسامية. أي اعتراض على دولة الكيان يصبح اعتراضًا على "مشيئة الله وإرادته"، وأي دفاع عن الحق الفلسطيني يُصوَّر كوقوف ضد النبوءة وضد العرق السامي الذي يدعي اليهود انهم الممثلون الوحيدون له في اوروبا وأمريكا.
ريك وايلز قلب هذه المعادلة. فهو يبين حقيقة بأن: الله لا يبارك الظلم ولا الاحتلال، وأن استخدام "عودة المسيح" لتبرير القتل والاستيطان هو تزوير أخلاقي ولاهوتي، والمسيحية كديانة قائمة على العدل والرحمة لا يمكن أن تكون مظلة لمشروع استعماري قائم على القمع والتخلص من الآخر.

لماذا يزعج هذا الصوت إسرائيل؟
بهذا الطرح، تتحول فلسطين في خطاب وايلز من "أرض نبوءة" إلى قضية ظلم تاريخي، وتتحول دولة الكيان من "دولة توراتية" إلى دولة سياسية محتلة تخضع للمساءلة الأخلاقية والقوانين الدولية. هذا التحول في اللغة والمعنى هو ما يربك المؤسسة الصهيونية وحلفائها في واشنطن، لأنه يضرب الأساس الذي بُني عليه الدعم الإنجيلي الأمريكي الأعمى. هذا الدعم الذي لم يعتمد يومًا فقط على السلاح، بل يستخدم كإستراتيجية تركز على: شرعية دينية للاحتلال، وغطاء أخلاقي للعدوان، وخزان انتخابي ضاغط على الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
حين يأتي صوت إنجيلي يقول لجمهوره: أنتم تُستَخدمون، ولاهوتكم مُسَيَّس، وإيمانكم مُختطَف، فإن ذلك يُحدث شرخًا في جدار الدعم الأكثر صلابة للكيان الصهيوني داخل الولايات المتحدة.

من وايلز إلى كارلسون: ظاهرة لا استثناء
صحيح أن هذا المقال يتمحور حول ريك وايلز، لكن صعود صوته لا يمكن فصله عن مناخ أوسع داخل الولايات المتحدة. فظهور مواقف ناقدة لإسرائيل من شخصيات أخرى مؤثرة مثل تاكر كارلسون، القادم من قلب الإعلام المحافظ، يؤكد أن ما يجري ليس حالة فردية معزولة، بل تحولًا بنيويًا في الوعي الأمريكي.
اللافت أن هذه الأصوات، على اختلاف منابرها، تلتقي عند نقطة مركزية: رفض تحويل الدين أو القيم الأمريكية إلى مظلة أخلاقية للاحتلال. وايلز كسر التابو اللاهوتي وكارلسون كسر التابو الإعلامي، وبين الاثنين تتآكل الرواية التي قدّمت إسرائيل لعقود بوصفها كيانًا فوق النقد وفوق القانون.

الخلاصة
في لحظة تاريخية تتسع فيها دائرة الأصوات الأمريكية المؤثرة التي تهاجم السردية الصهيونية، تقاس أهمية ريك بكونه: كسر الصمت داخل التيار الإنجيلي، وفضح التزاوج بين الدين والسياسة في خدمة الاحتلال، وأعاد فتح سؤال طال قمعه: هل المسيحية خادمة للعدالة أم أداة للاستعمار؟
في معركة السرديات، قد يكون صوت واحد من الداخل أخطر على مشروع الاحتلال من ألف إدانة من الخارج. وإذا كان الاحتلال يعيش على الأسطورة، فإن تفكيكها يبدأ دائمًا من داخلها.