أمس لم يكن يومًا عاديًا في حياتي. كان موعدًا انتظرته أربعة عشر عامًا كاملة، موعدًا بقي معلقًا في ذاكرة الانتظار كأنه سؤالٌ مؤجل لا يجد إجابته. أربعة عشر عامًا ليست مجرد رقم في حساب الزمن، بل مساحة كاملة من الغياب، من الصمت، من التأمل الطويل في معنى العدالة والقدر والإنسان.
حين جلست أمامه، شعرت منذ اللحظة الأولى أنني لا ألتقي رجلًا عاد من تجربة قاسية فقط، بل ألتقي قصة كاملة عن الصبر والكرامة الإنسانية. كان حضوره هادئًا لكنه عميق، يشبه حضور الجبال التي لا تحتاج إلى أن تعلن قوتها، لأنها ببساطة ثابتة في مكانها مهما مرّت عليها العواصف.
لن أذكر اسمه، فبعض الرجال لا تحتاج أسماؤهم إلى إعلان. يكفي أن أقول إنه يحمل اسمًا يبدأ باسم الرحمة، وينتمي إلى عائلةٍ يعرفها الناس بلقبٍ يشبه الذهب… معدنٌ لا يصدأ مهما طال اختباره في النار.
لكن ما رأيته في ذلك اللقاء لم يكن ذهبًا بالمعنى المجازي فقط، بل رأيت شيئًا أثمن من كل المعادن: رأيت إنسانًا خرج من الظلم دون أن يخرج منه نقاؤه.
كنت أتهيأ داخليًا لرؤية آثار التجربة الثقيلة في ملامحه. توقعت أن أجد مرارة الزمن، أو ظلّ قسوة تركتها السنوات الطويلة، فهذا هو المتوقع في حياة البشر. فالظلم غالبًا لا يمرّ مرورًا عابرًا، بل يترك ندوبًا عميقة في القلوب، ويزرع في النفوس مشاعر قاسية يصعب التخلص منها.
لكن ما رأيته كان مختلفًا تمامًا.
أول ما لفتني فيه كان الدفء. دفء إنساني صادق لا يمكن أن يُصطنع، ولا يمكن أن يخفي وراءه ألمًا متجمّدًا. كان يتحدث بهدوء، بنبرة مريحة، وكأن الزمن لم يسلب منه شيئًا، بل أضاف إليه صفاءً ونضجًا وفهمًا أعمق للحياة.
بحثت في حديثه عن حقد… فلم أجد.
حاولت أن ألمح مرارة… فلم أرَ.
توقعت أن أسمع شكوى… لكنني سمعت لغةً تشبه الطمأنينة.
وهنا أدركت حقيقة إنسانية عميقة: أعظم انتصار يمكن أن يحققه الإنسان ليس أن يخرج من الظلم فقط، بل أن يخرج منه متصالحًا مع نفسه، قادرًا على أن يرى الحياة بعينٍ نظيفة، لا بعينٍ مثقلة بالغضب.
هذا النوع من الانتصار لا يُكتب في السجلات الرسمية، ولا يُحتفى به في الأخبار، لكنه يُسجّل في مكانٍ أعمق: في ضمير الإنسان نفسه. إنه انتصار الروح على القسوة، وانتصار الكرامة على الجراح.
استعدنا في اللقاء ذكريات قديمة كأنها لم تغادرنا يومًا. ضحكنا على تفاصيل صغيرة، واستحضرنا مواقف بقيت حاضرة رغم مرور الزمن. أدهشني وفاؤه لكل ما هو جميل. ذاكرته لم تختزن الألم بقدر ما احتفظت بما يستحق البقاء فقط.
وهنا تكمن قوة الإنسان الحقيقية: ليس في قدرته على التذكر، بل في قدرته على الاختيار… اختيار ما يستحق أن يبقى في القلب، وما يجب أن يُترك خلفه.
وحين وصل الحديث إلى الوطن، بدا واضحًا سرّ صلابته النفسية. لم يكن حديثه سياسيًا ولا خطابًا رسميًا، بل حديث رجل يرى الدولة بيتًا أكبر من الجراح الشخصية، وأوسع من التجارب الفردية. كان ولاؤه حاضرًا في كلماته بهدوءٍ عميق، لا كشعارٍ يُرفع، بل كقناعةٍ مستقرة في داخله.
نظرت في عينيه طويلًا، وهناك رأيت الصورة الكاملة.
رأيت حزنًا، نعم… لكنه لم يكن حزنًا منكسرًا، بل حزن يشبه جذور الأشجار القديمة، يزيدها ثباتًا بدل أن يضعفها. داخل ذلك الحزن كانت هناك قوة هادئة، قوة تشبه نورًا خافتًا لكنه لا ينطفئ مهما اشتدّ الليل.
في تلك اللحظة أدركت أن الزمن يمكنه أن يسلب الإنسان أشياء كثيرة، لكنه لا يستطيع أن يسلبه كرامته إلا إذا سمح له هو بذلك.
وذلك الرجل… لم يسمح.
حين انتهى اللقاء وغادرنا المكان، شعرت أنني لم ألتقِ شخصًا عاد من غيابٍ طويل فقط، بل التقيت درسًا حيًا في معنى الصبر والتصالح الداخلي. درس يقول إن القوة الحقيقية ليست في النفوذ ولا في السلطة، بل في القدرة على البقاء إنسانًا حين تحاول الحياة أن تغيّرك.
خرجت من ذلك اللقاء مقتنعًا بأن بعض الرجال لا يكسرهم الظلم… لأنهم ببساطة أكبر منه.