ليست الكتابة عن بعض الرجال استذكارًا لوقائع مضت، بل تأمّلًا في فكرةٍ تجسّدت. فهناك من يشغل المنصب، وهناك من يمنح المنصب معناه. وبين الاثنين مسافةٌ لا تُقاس بالرتب، بل بالجوهر.
عرفتُ الفريق عبد الرحمن العدوان أول مرة حين سكن قريبًا من بيتنا، بالقرب من مسجد الشركس في صويلح. لم تكن المعرفة آنذاك بروتوكولًا ولا مناسبةً رسمية؛ كانت علاقةَ قربٍ إنسانيّ، ومشاهدةً يوميةً لملامح رجل يعيش طبيعته دون استعراض. منذ تلك الأيام، بدا لي أن بعض الناس لا يحتاجون إلى سلطة ليكونوا كبارًا؛ فهم يحملون في داخلهم ميزانًا خفيًا يضبط القول قبل الفعل، ويزن الموقف قبل القرار. كان هادئًا، لكن هدوءه لم يكن فراغًا، بل امتلاءً. وكان منضبطًا، لكن انضباطه لم يكن صرامةً باردة، بل احترامًا عميقًا لفكرة النظام كقيمة لا كقيد.
ثم دارت الأقدار، وجمعتنا الرفقة في مرحلةٍ أخرى حين تولّى إدارة شرطة إربد. هناك رأيت المعنى يتجسّد في الممارسة. لم يكن الأمن عنده إجراءاتٍ تُطبّق، بل طمأنينةً تُبنى. لم يكن القانون أداةً للهيمنة، بل مرآةً للعدالة. وبحكم أن والدي – رحمه الله – كان محافظ إربد، اقتربت الصورة أكثر، وتعرّفت إلى "أبو ياسر” لا كمسؤول فحسب، بل كرجل يرى في السلطة أمانةً ثقيلة، لا امتيازًا يُتباهى به. كانت العلاقة بين المؤسسات تقوم على الاحترام المتبادل، وكأنهما يتشاركان قناعةً واحدة: أن الدولة لا تُدار بالصوت الأعلى، بل بالعقل الأهدأ.
وحين تولّى منصب مدير الأمن العام، بدا المشهد وكأنه اختبارٌ جديد للمعنى ذاته: هل يتبدّل الإنسان حين تتسع دائرة نفوذه؟ يوم زرناه مهنّئين، لم تكن اللحظة مجرّد واجبٍ رسمي، بل كانت برهانًا حيًا على أن بعض الرجال يزدادون تواضعًا كلما علت مناصبهم. استقبلنا بذات الروح التي عرفناها أول مرة؛ كأن المسافة بين صويلح ومبنى الإدارة لم تغيّر شيئًا في داخله. هناك فهمت أن الثبات ليس جمودًا، بل وفاءٌ للذات.
ثم جاء اختياره عضوًا في مجلس الأعيان، وكأن المسيرة تُكمل معناها في دائرةٍ أوسع. لم يكن ذلك تكريمًا لمسيرةٍ مهنية فحسب، بل اعترافًا بقيمةٍ أخلاقية رافقت تلك المسيرة. فالدولة، في جوهرها، ليست مؤسساتٍ فقط، بل ضمائر حيّة تحرسها من الداخل.
الفريق عبد الرحمن العدوان، أبو ياسر، لم يكن مجرد اسمٍ في سجل المناصب، بل فكرةً عن كيف يمكن للإنسان أن يبقى إنسانًا وهو في قلب السلطة. علّمني أن المنصب امتحانٌ صامت: إمّا أن يكشف هشاشتنا، أو يُظهر صلابتنا الأخلاقية. وهو كان من أولئك الذين خرجوا من الامتحان أكثر صفاءً، لأنهم دخلوا إليه ممتلئين بالقيم.
بعض الرجال يمرّون في الزمن، وبعضهم يصبحون معيارًا نقيس به الزمن نفسه. وأبو ياسر كان من الفئة الثانية؛ لذلك لم يكن أكبر من منصبه فحسب، بل كان أكبر من زمنه.