ليست السياسة الخارجية كلماتٍ تُقال أمام الكاميرات، ولا البروتوكولات حركاتٍ تُؤدى لإرضاء عدساتٍ عابرة. السياسة الخارجية، في جوهرها، هي قدرة الدولة على حماية مصالحها، وصون هيبتها، وترسيخ موقعها في معادلات القوة دون أن ترفع صوتها. ومن هذا الباب تحديدًا، يمكن قراءة المشهد الذي أظهر براعة وزير الخارجية السعودي في التعامل مع رئيس وزراء إثيوبيا: موقفٌ صغير في شكله، كبير في معناه، حمل رسالةً لا تخطئها عين الخبير ولا يغفل عنها وعي المراقب.

لقد تعامل وزير الخارجية السعودي بذكاءٍ بالغ وحنكةٍ ناضجة، فكان الرد مضبوطًا على مقاس الدولة التي تعرف ثقلها، وتفهم كيف تُدار الرموز قبل أن تُدار الملفات. لم يكن الأمر استعراضًا، ولم يكن انفعالًا، بل تصحيحًا رصينًا لمسارٍ حاول أن ينحرف عن مقتضيات الاحترام المتبادل. في لحظة واحدة، أُعيد ترتيب "اللغة غير المنطوقة” في الدبلوماسية: هنا الرياض… وهنا تُرسم حدود الندية.

وإذا كانت بعض الدول تُخطئ حين تظن أن الهيبة تُصنع بالصوت العالي، فإن المملكة العربية السعودية تُثبت، مرة بعد أخرى، أن الهيبة تُصنع بالثقة، وبالقدرة على تحويل أدق التفاصيل إلى معادلةٍ سياسية مكتملة الأركان. المملكة ليست دولة تبحث عن موقع، بل دولة تُحدد مواقع الآخرين من خلال وزنها الاستراتيجي، وأوراقها المتعددة، وحضورها المؤثر في الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وأمن الممرات البحرية، وشبكات التحالفات الإقليمية والدولية.

إن الحديث عن السعودية بوصفها "دولة إقليمية كبرى” ليس توصيفًا إنشائيًا، بل حقيقة تتجسد يوميًا في قدرتها على إدارة الملفات، وحماية مصالحها، وصياغة توازنات المنطقة دون وصايةٍ من أحد. والأهم من ذلك: أن أمن السعودية واستقرارها وحماية مصالحها ليس شأنًا سعوديًا محضًا، بل هو ركيزة مباشرة من ركائز الأمن القومي العربي، ومصلحةٌ مؤكدة للدول الإسلامية. فحين تكون السعودية قوية وآمنة ومستقرة، فإن مظلة الاستقرار تمتد تلقائيًا لتشمل محيطها العربي والإسلامي؛ وحين تُحمى مصالحها، فإن ذلك يعني تحصينًا لواحد من أهم أعمدة التوازن في المنطقة.

ومن هنا، فإن أي محاولة لتقليل شأن السعودية أو اختبار صبرها أو الالتفاف على حضورها الدبلوماسي، هي محاولة لمساسٍ غير مباشر بنبض الاستقرار العربي، وبقلب العالم الإسلامي. لأن المملكة ليست دولة على الهامش، بل هي في مركز الدائرة: سياسيًا، واقتصاديًا، وروحيًا، واستراتيجيًا. وهي بما تملكه من ثقلٍ في القرار العربي والإسلامي، قادرة على التعامل بندية مع كافة دول العالم، وفق معادلة واضحة: احترامٌ متبادل أو لا علاقة متوازنة.

إن هذا النهج المتزن يستند إلى قيادة سعودية حكيمة تدرك أن الدولة الحديثة تُبنى على قوة الداخل قبل أثر الخارج. بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبالرؤية الطموحة لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تسير السعودية بخطى واثقة نحو إعادة هندسة علاقاتها، لا على قاعدة المجاملات، بل على قاعدة المصالح العليا للأمة العربية والإسلامية، وعلى مبدأ الشراكة المتكافئة، والندية التي لا تقبل التنازل.

لقد أثبتت السعودية اليوم أنها لا تتعامل مع العالم بعقلية ردّ الفعل، بل بعقلية الفعل والتأثير. تعيد ترتيب أوراقها، وتوسع خياراتها، وتفتح مساراتها وفق منظور استراتيجي طويل النفس. وهي بذلك لا تحمي مصالحها فحسب، بل تُسهم في حماية المجال العربي والإسلامي من الاهتزاز، وتمنح المنطقة فرصةً للاستقرار والتوازن بعيدًا عن العبث السياسي والمزايدات.

إنها السعودية التي حين تتحرك، تتحرك بثقة الدولة الكبرى. وحين ترد، ترد بحكمة القائد. وحين ترسم حدودها، ترسمها بلغة تُفهم عالميًا: هذه دولة تُحترم لأنها تعرف كيف تحمي نفسها… وكيف تحمي محيطها العربي والإسلامي معها.