في الأردن، لا يُقاس الانتماء بالشعارات، بل بالصبر. فالشباب الأردني يحب وطنه بصمت، ويعمل من أجله رغم القلق، ويحمل في قلبه خوفًا مشروعًا عليه. هذا الحب لا يطلب مقابلاً، لكنه يتألّم حين تتحوّل الأحلام البسيطة إلى مشاريع مؤجّلة، وحين يصبح الاستقرار عبئًا بدل أن يكون حقًا طبيعيًا.

لم يعد الشاب الأردني يحلم بالكثير. لم يعد يسأل عن الرفاه ولا الامتيازات، بل عن فرصة عادلة، عن دخل يكفي، وعن حياة يمكن التخطيط لها دون خوف. البطالة، وقلّة الفرص، وارتفاع كلف المعيشة، وتضخّم أسعار السكن، لم تعد أزمات منفصلة، بل سلسلة ضاغطة تُحاصر جيلًا كاملًا وتدفعه إلى الانتظار القسري.

أكتب هذا المقال بصفتي شابًا أردنيًا يشق طريقه بنفسه، يعمل ويتعب ويحاول، لا ينتمي لعائلة نافذة، ولا يملك ظهرًا سياسيًا أو ماليًا، ولم تُفتح له الأبواب بسهولة. تعبنا كثيرًا، ومع ذلك نجد أنفسنا ندور في المكان ذاته، نعمل دون أن نصل حتى إلى الحد الأدنى من الأمن المعيشي، ودون أن نلمس نتيجة واضحة لهذا الجهد الطويل.

أزمة الزواج في الأردن لم تعد شأنًا اجتماعيًا فقط، بل أصبحت انعكاسًا مباشرًا للأزمة الاقتصادية. فكم من شاب وفتاة تجمعهما الرغبة الصادقة بتأسيس حياة مشتركة، لكنهما يتوقفان عند عتبة الخوف: الخوف من الديون، من الالتزامات القضائية، من القروض التي تبدأ قبل الزواج ولا تنتهي بعده، ومن مستقبل بلا ملامح أمان. هكذا يُسرق الحلم من عيوننا قبل أن يتحوّل إلى واقع.

إن معالجة هذه الأزمة تتطلب حلولًا حقيقية، لا مسكنات مؤقتة. ومن بين أهم هذه الحلول، إطلاق برنامج وطني لدعم الزواج، لا يقوم على القروض التقليدية التي تُغرق الشباب في الديون منذ اليوم الأول، بل على دعم مباشر مرتبط بالدخل، يراعي القدرة الواقعية للشباب ويؤسس لاستقرار حقيقي بدل القلق المزمن.

كما أن إقامة مجمعات سكنية حكومية مخصّصة للشباب، على أراضٍ قريبة من العاصمة والمحافظات الاخرى، بنظام تأجير ينتهي بالتمليك وبأسعار مدعومة، تمثّل خطوة جوهرية في إعادة بناء الأمان الاجتماعي. فالسكن ليس ترفًا، بل حجر الأساس لأي استقرار أسري أو اقتصادي.

ولا يقل أهمية عن ذلك إعادة تمكين الشباب من إقامة مشاريع إنتاجية أو حرفية حقيقية، عبر تمويل عادل، وإجراءات مبسّطة، ومرافقة فعلية تضمن الاستمرارية. فالشباب لا يطلبون حلولًا جاهزة، بل فرصة عادلة تثمّن الجهد وتحميه من الفشل المبكر.

أما العبء الضريبي، فقد أصبح من الضروري إعادة النظر فيه، خاصة على فئة الشباب وذوي الدخل المحدود. فالدخل الذي لا يكفي أساسيات الحياة لا يحتمل ضرائب تستهلكه قبل أن يصل إلى صاحبه. المطلوب آلية ذكية تحفظ حق الدولة دون أن تخنق القدرة على العيش.

نحن لا نكتب من باب الشكوى، ولا نبحث عن شفقة، بل نكتب بدافع الخوف على الوطن والرغبة في الإسهام ببنائه. نريد أن نشعر أن التعب يقود إلى نتيجة، وأن الطريق، مهما طال، لا ينتهي بالفراغ. نريد وطنًا يشعر فيه الشاب أن المستقبل ممكن، وأن الاستقرار ليس حلمًا مؤجّلًا إلى أجل غير معلوم.

إن الأمل لا يزال موجودًا، لكنه بحاجة إلى سياسات تعيده إلى الواقع. فحين يشعر الشباب بالأمان، يتحوّل حب الوطن من شعور داخلي إلى طاقة إنتاج وبناء. وحين تُخفّف الأعباء، تُزرع الثقة، وتُستعاد القدرة على الحلم.

نكتب اليوم لأننا نؤمن أن الوطن لا يُقاس بما يطلبه من شبابه، بل بما يوفّره لهم ليبقوا فيه ويكبروا معه. نؤمن أن العدالة في الفرص هي أول أشكال الانتماء، وأن الاستقرار ليس امتيازًا بل أساسًا لأي مجتمع متماسك.

ما نرجوه ليس أكثر من حياة يمكن التخطيط لها دون خوف، ومستقبل لا يبدأ بالديون ولا ينتهي بالقلق. حينها فقط، يصبح البقاء في الوطن اختيارًا نابعًا من الحب، لا صبرًا مفروضًا بالضرورة.