كتب اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني - 

رغم أن كاتب هذا المقال ليس مؤرخاً ولا باحثاً أكاديمياً متخصصاً في تاريخ الثورة العربية الكبرى أو الخلافة العثمانية، إلا أن ذلك لا يمنع من إبداء الرأي في قضية عامة ومهمة دار حولها نقاش واختلاف على الساحة الأردنية في الآونة الأخيرة. فهذا الجدل يمس الوعي العام والذاكرة السياسية والتاريخية للدولة الأردنية ونشأتها. ومع كامل الاحترام والتقدير لأي رأي مخالف، تأتي هذه القراءة لمحاولة وضع بعض الوقائع في سياقها التاريخي بعيداً عن الاختزال والتوصيفات الجاهزة.

أعاد هذا النقاش فتح ملف تاريخي طالما شابه الخلط والأحكام المتباينة. فالثورة العربية التي قادها الشريف الحسين بن علي عام 1916 لا يمكن فهمها بوصفها صداماً دينياً مع الخلافة، بل باعتبارها مواجهة سياسية وعسكرية مع حزب الاتحاد والترقي(الماسوني اليهودي) الذي كان يسيطر فعلياً على الدولة العثماتية ويقودها بعيداً عن روح الخلافة الجامعة.

لفهم هذه المسألة، لا بد من التمييز بين الدولة العثمانية كمؤسسة تاريخية حملت صفة الخلافة قروناً طويلة، وبين حزب الاتحاد والترقي الذي استحوذ على مفاصل الحكم بعد إقصاء السلطان عبد الحميد الثاني في 27 نيسان 1909. ففي تلك المرحلة، تحولت الدولة من إطار إسلامي جامع متعدد القوميات إلى سلطة قومية طورانية متشددة، تُدار بعقلية عسكرية مركزية، وتتبنى سياسات التتريك باعتبارها مشروعاً سياسياً وقوميا.

وقد انعكست هذه السياسات بشكل مباشر على العرب، من خلال التضييق على اللغة العربية ومحاولات إقصائها من الدواوين والإدارة، وحرمان العرب من دورهم السياسي، وصولاً إلى القمع الأمني وإعدام قادة الفكر والنهضة العربية في دمشق وبيروت على يد جمال باشا خلال عامي 1915 و 1916. كما ترافقت هذه المرحلة مع سياسات التجنيد القسري المعروفة بـ"السفربرلك"، والمجاعات التي ضربت بلاد الشام والحجاز، ما عمّق الشعور بأن المشكلة لم تعد خلافاً إصلاحياً، بل صداماً مع سلطة استبدادية.

في هذا السياق، لم يعلن الشريف حسين بن علي ثورته خروجاً على الإسلام ولا رفضاً للخلافة بوصفها رمزاً دينياً، بل عبّر في مراسلاته ومواقفه عن رفضه لسياسات حزب "خرج عن روح الإسلام والرابطة العثمانية"، وحوّل الدولة إلى أداة قمع قومي، وأدخلها في حرب عالمية مدمّرة أسهمت في تفككها.

أما الخلط التاريخي بين الخلافة وحزب الاتحاد والترقي، فيعود إلى أن الحزب كان يدير الدولة فعلياً خلال الحرب العالمية الأولى، ما جعل أي تمرد عليه يبدو وكأنه تمرد على الدولة ذاتها. وقد ساهم هذا الواقع لاحقاً في ترسيخ رواية تُحمّل الثورة العربية الكبرى مسؤولية إسقاط الخلافة، متجاهلة أن الحزب نفسه، أو وريثه السياسي لاحقاً، هو من ألغى الخلافة رسمياً، وفرض النظام العلماني، وألغى الأحرف العربية واستبدلها باللاتينية، في قطيعة كاملة مع الإرث الإسلامي.

من هنا، يمكن قراءة الثورة العربية الكبرى ابتداء، وبصرف النظر عن إستغلالها سياسيا وعسكريا من بريطانيا ودول التحالف الغربي، بوصفها ثورة حقوق وكرامة ورفض للاستبداد، لا ثورة قطيعة مع الإسلام. فهي كانت مواجهة مع مشروع التتريك والهيمنة الحزبية، ومحاولة لاستعادة الشراكة السياسية داخل الدولة، لا سعياً لهدمها من منطلق ديني.

إن إنصاف الثورة العربية الكبرى لا يعني تحصينها من النقد، لكنه يقتضي وضعها في سياقها الحقيقي، والفصل بين الخلافة كرمز تاريخي وديني، وحزب سياسي استبدادي ماسوني اختطف دولة الخلافة وقادها إلى نهايتها. وهي قراءة متوازنة تعيد الاعتبار للتاريخ بعيداً عن التوظيف والاختزال.