اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني -
في لحظة سياسية مشحونة، خرج صوت من داخل البيت الأبيض ليعلن قطيعة علنية مع ما اعتُبر لعقود "إجماعا أمريكيا"حول دولة الكيان الصهيوني. كاري بولر، عضو لجنة الحرية الدينية التابعة للبيت الأبيض، لم تكتفِ بانتقاد سياسات حكومة الاحتلال، بل ذهبت أبعد من ذلك حين هاجمت ما سمّته "أكاذيب الصهيونية السياسية" ورفضت، بعبارة صادمة، أن "تركع لإسرائيل".
تصريحات بولر، التي جاءت عقب مواجهة حادة مع مؤيدين لإسرائيل خلال جلسة رسمية، لم تكن انفعالا عابرا، بل خطابا سياسيا وأخلاقيا رزينا ومتكاملا. في تغريدتها على منصة "اكس"، أكدت أنها أكثر تصميما على فضح "الأكاذيب التي سُوّقت لتبرير حروب لا تنتهي، وأطفال قتلى، وشيكات دعم على بياض". هنا بيت القصيد: الحديث لم يعد عن خلاف سياسي حول إدارة الصراع، بل عن مراجعة جذرية للسردية الصهيونية المسيحية المؤسسة للدعم الأمريكي غير المشروط.
كسر التحالف العقائدي–السياسي
الأهمية الاستراتيجية لتصريحات بولر لا تكمن فقط في موقعها داخل الإدارة الأمريكية ومن قلعتها في البيت الأبيض، بل في الجبهة التي فتحتها: العلاقة بين الصهيونية السياسية وقطاعات واسعة من الكنيسة الإنجيلية البروتستانتية في الولايات المتحدة. هذا التحالف، الذي تعزز منذ سبعينيات القرن الماضي، شكّل رافعة انتخابية وتمويلية ضخمة، وربط بين عقيدة لاهوتية معينة وبين دعم سياسي مطلق لإسرائيل باعتباره "تحقيقا لمشيئة إلهية".
بولر ضربت هذا الأساس مباشرة، بقولها إن "لا توجد أمة تتحدث باسم الله، ولا توجد أيديولوجية تمنح صكا مجانيا لإزهاق أرواح الأبرياء". بهذا الطرح، هي تعيد تعريف العلاقة بين الدين والسياسة، وتفكك ما تعتبره تماهيا خطيرا بين النص الديني وأجندة جيوسياسية. أخطر ما في خطابها، من منظور خصومها، هو سحب الغطاء الأخلاقي–اللاهوتي عن الدعم غير المشروط، وتحويله إلى موضوع سياسي قابل للنقد والمساءلة.
تحوّل داخل المؤسسة أم صوت معزول؟
السؤال المركزي: هل تمثل بولر تيارا صاعدا داخل مؤسسات الحكم الأمريكية، أم أنها حالة فردية ستُحتوى سريعا؟
الواقع يشير إلى أن المزاج السياسي الأمريكي يشهد تحولات تدريجية. في الكونغرس، تتزايد الأصوات – خاصة بين الشباب والتقدميين – التي تطالب بربط المساعدات العسكرية لإسرائيل بشروط تتعلق بحقوق الإنسان. في الجامعات ووسائل الإعلام البديلة، تتآكل هيمنة الرواية التقليدية. وفي أوساط بعض المسيحيين الأمريكيين أنفسهم، تتنامى مراجعات لاهوتية تفصل بين الإيمان المسيحي وبين تأييد سياسات حكومية محددة. ونستذكر في هذا السياق تصريحات كل من تاكر كارلسون وريك وايلز وكانديس اوينز وروي كاساغراندا وجيمس فيشباك التي كشفت زيف القراءة الصهيونية للكتاب المقدس، وسخافة تهمة "معادات السامية" لمن ينتقد جرائم اسرائيل واحتلالها للأراضي الفلسطينية، ومعظمهم من اليمين الأمريكي المحافظ والمؤثرين اعلاميا وسياسيا وفكريا.
تصريحات بولر تتغذى من هذا السياق، لكنها تضيف إليه بعدا مؤسسيا بالغ الحساسية: صدورها من شخصية مرتبطة رسميا بالبيت الأبيض، وفي ملف يتعلق بالحرية الدينية، يمنحها وزنا رمزيا كبيرا. فهي لا تتحدث من هامش أكاديمي أو من منصة إعلامية، بل من داخل منظومة الحكم.
معركة السرديات لا معركة الجيوش
اللافت أن بولر ركزت على مفهوم "التضليل"، معتبرة أن المسيحيين الأمريكيين "تم تضليلهم وخداعهم ليقتنعوا بأن الله يبارك القصف والتجويع والقتل الجماعي". هنا تنتقل المواجهة من مستوى السياسات إلى مستوى الوعي الجمعي. إنها معركة على تعريف الخير والشر، وعلى من يحتكر الحديث باسم القيم الدينية.
هذا التحول بالغ الأهمية في السياسة الأمريكية، حيث تلعب الجماعات الضاغطة (لوبيات التمويل، الكنائس الكبرى، مراكز الفكر) دورا محوريا في تشكيل القرار. عندما تقول بولر إنها "ليست ممن يملكهم المال أو النفوذ"، فهي تلمّح إلى البنية المعقدة للتمويل السياسي، وتضع نفسها في مواجهة شبكة نفوذ راسخة.
ما بعد الصدمة
من المبكر الجزم بمدى تأثير هذه التصريحات وهذه الآراء المستنيرة على سياسات واشنطن الفعلية. الدعم العسكري والسياسي لدولة الكيان الصهيوني متجذر في اعتبارات استراتيجية تتجاوز البعد الديني ، من الأمن الإقليمي إلى توازنات الداخل الأمريكي. لكن حين يصدر من داخل البيت الأبيض خطاب يشكك في الأساس الأخلاقي–الديني للدعم غير المشروط، فإننا نكون أمام تصدع في جدار السردية، حتى لو لم يسقط الجدار بعد. السياسة لا تتغير فجأة، لكنها تبدأ غالبا بكلمات تكسر المحظور وتذيب الجليد.
كاري بولر قد تكون بداية تيار أوسع يعيد مساءلة العلاقة بين الإيمان والسياسة، وبين التحالفات الاستراتيجية والمبادئ الأخلاقية. وفي واشنطن، حيث تُصنع القرارات الكبرى، يكفي أحيانا أن يتغير الخطاب داخل الغرف المغلقة، حتى تبدأ خرائط التحالفات بالتحرك ببطء.
المؤكد أن ما قيل امس الأربعاء داخل البيت الأبيض لن يُنسى بسهولة. فحين يُكسر الصمت من الداخل، تصبح كل المسلمات قابلة لإعادة النقاش.