لن يأتي رمضان 2026 كموسم درامي تقليدي، فهو سيأخذنا عبر رحلة متشعبة داخل الذاكرة السورية، حيث تتقاطع السياسة مع الإنسانية، والماضي مع الحاضر، والواقع مع الخيال.

 
 

الأعمال التي تظهر هذا العام على الشاشات السورية لم تعد ترفيهاً فحسب، إنها محاولة لإعادة سرد التاريخ وفهم ما حدث، ومساحة لتحرر جماعي للكاميرا من قيود الخوف والرقابة. وفق الناقد آرام بشير، فمزاج الموسم يميل إلى ما يشبه "محاكمة رمزية للنظام السابق”، حيث العناوين تكشف عن اتجاه واضح مواجهة الماضي المؤلم واستعادة أصوات غابت طويلاً.

ومن جانبه، يرى منصور الديب أن الموسم يمثل لحظة تحرر للدراما السورية، إذ تتحدث الشاشة عن الاعتقالات، التعذيب، والصمت القسري، من دون خوف، كصرخة مؤجلة للذاكرة الجماعية.

""
""

 

  • مواجهة الماضي...دراما الدم والذاكرة

 

في طليعة الأعمال، يبرز مسلسل "السوريون الأعداء" للمخرج الليث حجو، الذي يعود إلى الثمانينيات ومجزرة حماة، ليضع المشاهد وجهاً لوجه أمام تاريخ دموي ومعقد، بينما يعيد محمد لطفي في "الخروج إلى البئر" إحياء تمرّد سجن صيدنايا عام 2008، ويحوّل مصطفى نعمو في "القيصر: لا مكان لا زمان" شهادات المعتقلين السياسيين إلى سردية جماعية تنقل الألم الفردي إلى وعي جماعي. وتكتمل هذه المأساة عبر ثلاثيات "لا مكان لا زمان"، التي تعرض قصص الاعتقالات والإخفاء القسري لتقديم فسيفساء من أصوات طالما انتظرت التوثيق على الشاشة.

""

 

  • قبل الانهيار...دراما اللحظة الأخيرة

 

بين الماضي البعيد وما يحدث قبل سقوط النظام، تقدم رشا شربتجي في "مطبخ المدينة" مطعماً في قلب دمشق كاستعارة لبلد يغلي، حيث تختلط السياسة بالحب والخيانة بالصمت، ويواجه الطهاة والزبائن معارك يومية تعكس الصراعات الاجتماعية والسياسية الكبرى، فيما يصور محمد عبد العزيز في "عيلة الملك" عائلة تحكمها شهوة المال لتصبح نموذجاً مصغراً عن مجتمع ينهار من الداخل، ليجعل المشاهد يعيش الشعور بالخوف والغضب والخيبة قبل التغير الكبير في المشهد السوري.

""
  • الإثارة والغموض: السياسة في ثوب درامي

 

الإثارة والتشويق حاضرة في أعمال مثل "مولانا" للمخرج سامر البرقاوي، حيث تتقاطع القوة مع الهشاشة، والسلطة الدينية مع النفوذ الاجتماعي، وتجسّد شخصية تيم حسن التحكم بعقول قرية كاملة. وفي "سعادة المجنون" للمخرج سيف السبيعي تبدأ الحكاية بجريمة قتل لتكشف عن فساد مستشري، فيما يعيد المخرج مضر إبراهيم في "تحت الأرض 2: جرد حساب" المشاهد إلى عالم سوق التتن حيث المال، السلطة، والدم تتشابك في صراعات متعددة. ويضيف "الحريقة" لأحمد إبراهيم أحمد بعداً عن المال والنفوذ، فيما يقدم "لعنة حب: المليئية" للمخرج محمد زهير رجب حكاية حارة شعبية متشابكة، حيث تتقاطع الرومانسية والخيانة والطمع مع الحياة اليومية، محولة كل حدث إلى توتر نفسي وإنساني ملموس.

""
  • التراث والبيئة الشامية: الأصالة بين الماضي والحاضر

 

تغمر الأعمال التاريخية والتراثية الشاشة بعمقها، فسلوم حداد في "حاتم الطائي" يعيد رسم عصر الجاهلية وقيم الكرم والشجاعة في سياق الصراعات السياسية والاجتماعية، بينما يعكس "النويلاتي" ليزن هشام شربتجي و"شمس الأصيل" لعمار تميم الحياة التراثية الشامية، محاولة إعادة استثمار الهوية الشعبية دون الانغماس في النوستالجيا القديمة.

""

الكوميديا: ضحك على حافة الجرح

 

حتى الضحك هذا الموسم يحمل ثقل الواقع، ففي مسلسل "بنت النعمان" لسيف شيخ نجيب يكشف محمد أوسو العلاقة المتناقضة بين الأب وابنته ضمن كوميديا ساخرة، بينما يقدم وائل أبو شعر في "ما اختلفنا 3" لوحات كوميدية مستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية. ويعيد فادي وفائي العائلة الممزقة في الجزء الثاني من "يا أنا يا هي" إلى الساحة مع مزيج من الكوميديا والدراما، فيما يقدم عبد الرحمن ياسين "بيت الأحلام" عبر كوميديا سوداء تتقاطع فيها خمس شخصيات غريبة الأطوار بطريقة طريفة ومفاجئة.

""
  • الواقع الاجتماعي: الإنسانية أمام العدسة

 

الأعمال الاجتماعية تلتقط تفاصيل الحياة اليومية والتغيرات المجتمعية المعاصرة، مثل "أنا وهي وهيا" لنور أرناؤوط الذي يرصد علاقات السوريين اليومية، بينما اختار حسام سلامة عبر "المقعد الأخير" متابعة تحديات النساء وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الشباب. هذه المنطقة الرمادية، بعيداً عن السياسة الصريحة، غالباً ما تكون الأكثر خصوبة فنياً، حيث تختلط الإنسانية بالدراما دون تحويل الشاشة إلى منصة اتهام.

""
""
  • النجوم يعودون: رمزية ومصداقية

 

وتضيف عودة نجوم مثل جمال سليمان، مكسيم خليل، سامر المصري، ويارا صبري ثقلاً رمزياً وإنسانياً للمشهد. وفق منصور الديب، هذه العودة تمثل جسراً بين الماضي والحاضر، بينما يشير آرام بشير إلى أن حضور هؤلاء النجوم يمنح العمل مصداقية تجعل الذاكرة حية على الشاشة.

""
  • بين تفريغ الذاكرة والفن

 

يمكن القول ان موسم رمضان 2026 ليس موسما للترفيه فقط، بل محطة تاريخية للدراما السورية، تجمع بين الجرأة والذكاء الفني، بين مواجهة الماضي وفهم الحاضر، بين الضحك والدموع. إنه موسم يطرح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات، موسم قد يخطئ، لكنه للمرة الأولى منذ سنوات لا يبدو خائفاً من المحاولة، موسوعة حية تعكس طيف المجتمع السوري بكل تناقضاته، ألمه، وأمله.

""

المصدر: RT