كتب - اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني
الفارق في الخطابات لم يكن لغوياً، بل سياسياً–ثقافياً. نحن أمام نمط متجذر يمكن تسميته "ثقافة الرجاء" او "الثقافة التسولية" : تحويل الحق إلى منّة او مكرمة، والواجب إلى فضل، والمساءلة إلى استجداء.
من ثقافة الخادم العام إلى ثقافة صاحب المنصب الرفيع
في الدولة الحديثة، العلاقة بين المواطن والإدارة علاقة تعاقدية محكومة بالقانون. الفيلسوف السياسي جان جاك روسو نظّر لفكرة "العقد الاجتماعي" بوصفه تفويضاً مشروطاً بخدمة الصالح العام. في هذا الإطار، الموظف العام هو Public Servant؛ أي خادم عام، لا صاحب امتياز. ويرى ابن خلدون أن الإحترام المتبادل بين الراعي (المسؤول) والرعية ليس قيمة أخلاقية مجردة فحسب، بل هو "آلية سياسية" تضمن توازن الدولة وتقدمها.
لكن في أجزاء واسعة من العالم العربي، ما يزال المنصب يُعامل كمرتبة اجتماعية. لا يُخاطَب المسؤول بصفته موظفاً يؤدي خدمة عامة، بل بصفته مقاماً عالياً يُسترضى. وهنا تتسلل ثقافة التفخيم والترجي في مخاطبة الناس للمسؤولين.
ألقاب التفخيم: من الوظيفة إلى المقام
ثقافة الرجاء لا تقتصر على نبرة الخطاب، بل تتجلى أيضاً في منظومة الألقاب: "دولة"، "معالي"، "عطوفة"، "سعادة"… ألقاب تتدرج بحسب السلم الوظيفي، وتُستخدم حتى في المخاطبات الإدارية الروتينية.
الألقاب في حد ذاتها ليست المشكلة؛ فهي تقاليد بروتوكولية موجودة في أنظمة عديدة. المشكلة حين تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج المسافة بين المواطن والمسؤول، وحين تُستعمل لتعويض غياب المساءلة. فكلما ارتفع المنصب، تضخمت المقدمة، وطالت عبارات الثناء، وتراجعت جرأة المطالبة، وتضاءلت فرص المساءلة.
بهذا المعنى، يصبح الخطاب الإداري مرآة لهيكل قوة غير متوازن: مواطن يبالغ في التبجيل خشية التعطيل، وموظف يُحاط بهالة رمزية تتجاوز حدود وظيفته.
جذور بنيوية لا أخلاقية
إرجاع الظاهرة إلى "طباع " أو "ثقافة مجتمعية" تبسيط مخل. النصوص الدينية والتراثية العربية تؤكد الكرامة والعدل ورفع الظلم، لكنها تصطدم ببنية إدارية–سياسية لا تُكافئ الأداء بقدر ما تُكافئ الولاء. حين لا يُحاسَب المقصّر، ولا يُكافأ الملتزم، تتشكل ثقافة دفاعية لدى المواطن: بدلاً من المطالبة الصريحة، يلجأ إلى الاسترضاء.
كما أن غياب الشفافية في الإجراءات—غياب معايير واضحة، مدد زمنية ملزمة، قنوات تظلّم فعالة—يعزز الشعور بأن باب التذلل للمسؤول وإسترضائه ومدحه والتملق إليه تزيل العقبات وتختصر المسافات وتحقق المطالب.
أثر الإرث الاستعماري
لا يمكن تجاهل أن الإدارة في كثير من الدول العربية تشكلت في ظل أنظمة استعمارية صممت أجهزتها الرسمية للضبط والهيمنة والتحصيل لا للخدمة العامة، كانت هذه الإدارة فوق المجتمع لا منه. بعد الاستقلال، ورثت الدول الوطنية البنية الهرمية المركزية ذاتها في كثير من الحالات، من دون إعادة تعريف جذرية لفلسفة الوظيفة العامة. غير أن الاستعمار يفسّر التأسيس ولا يبرر الاستدامة؛ فخيارات الحكم بعد الاستقلال، وضعف آليات الرقابة، والاقتصاد الريعي، كلها عوامل أعادت إنتاج العلاقة الرأسية المبنية على الخضوع للسلطة الرسمية ممثلة بموظفيها.
الكلفة المؤسسية
استمرار ثقافة الرجاء وألقاب التفخيم له تبعات عملية:
1. إضعاف المواطنة: يتحول المواطن إلى تابع ينتظر الإحسان، لا شريك يطالب بالمساءلة.
2.تشجيع الفساد الصغير: حين تصبح المعاملة رهناً بالمزاج، تزدهر الرشوة والوساطة.
3.تآكل الثقة العامة: تتعمق الفجوة بين الخطاب الرسمي عن"سيادة القانون" والممارسة اليومية، وغياب معايير واضحة للإنجاز.
4.إبطاء الأداء الإداري : تتضخم السلطة الوظيفية على حساب القوانين والأنظمة.
حين يشعر المواطن أن معاملته مرهونة بالمزاج والعلاقات الشخصية او الغايات النفعية، سيلجأ إلى الاسترضاء. وحين يعتاد المسؤول على الثقافة التسولية ولغة التفخيم غير المشروطة، يُصاب بالغرور وتتآكل حدود المساءلة.
التحول المطلوب: من التفخيم إلى الإحترام
المسألة ليست حرباً على الألقاب، بل إعادة ضبط العلاقة. يمكن احترام المنصب من دون تبجيله او تقديسه، وتطبيق القانون من دون تحويله إلى أداة إخضاع وتجبر.
التحول يبدأ بإجراءات واضحة: تحديد مدد إنجاز ملزمة، نشر معايير الخدمة، تفعيل التظلمات وربطها بآجال ملزمة للرد، ربط الترقية بالأداء، ورقمنة الخدمات لتقليص السلطة الشخصية. الأهم من ذلك ترسيخ فكرة أن المنصب وظيفة مؤقتة لخدمة المصلحة العامة، وتعزيز التربية المدنية التي تدرّس مفهوم الحق والواجب والعقد الاجتماعي عملياً لا نظرياً.
وفي الختام، الأدب والاحترام في التعامل مع المسؤولين لا يعني التذلل وخفض الجناح اوالإنحناء والتخلي عن المساءلة. حين يُعاد تعريف الموظف العام بوصفه خادماً عاماً، لا صاحب مقام، ستتغير اللغة تلقائياً. عندها لن نحتاج إلى"دولة" و"معالي" و "عطوفة" لتمرير معاملة، بل إلى نص قانوني واضح يُطبَّق على الجميع يفضي إلى إحترام متبادل بين المواطن والمسؤول. عندها لن نلجأ إلى خطابات مطوّلة من الثناء، بل إلى جملة واحدة واضحة: هذا حقي، وهذا واجبك، وهذا هو القانون.