كتب الفريق ركن متقاعد موسى العدوان - 

بينما كنت أقلّب الكتب في مكتبتي المتواضعة، عثرت من بينها على كتاب يحمل عنوان " الثورة العربية الكبرى " لكاتبه العماد مصطفى طلاس وزير الدفاع في عهد الرئيس السوري حافظ الأسد، الذي امتد لثلاثة عقود في أواخر القرن الماضي. وأنا هنا أبين ما ورد في ذلك الكتاب بحذافيره، لأبين لمن ادعى بأن الثورة العربية الكبرى لم تكن ضد الأتراك. فمن يشكك في ما ورد به، عليه أن يبين الحقيقة التي يدعيها مقرونة بالوثائق.

يقول طلاس في مقدمة كتابه ما يلي وأقتبس : " شُغفتُ بالثورة العربية الكبرى منذ نعومة أظفاري، وأنا كطفل عربي تهزني النخوة العربية، وتستثيرني الحمية الوطنية، وتستهويني البطولات العسكرية . . ولقد تجمعت كل هذه المناقب والسجايا الحبيسة على نفس كل إنسان، قي الثورة العربية الكبرى، التي فجرها الحسين بن علي في صيف 1916 عندما أطلق الرصاصة الأولى في سماء مكة المكرمة، معلنا بداية الجهاد والنضال المسلح ضد الأتراك العثمانيين، الذين وطئوا ترابنا العربي باحتلال بغيض، امتد أربعة قرون . .
 
ثمة حافز آخر حبب إليّ هذه الثورة المجيدة، هو ما تحلى به قائدها " شريف مكة " من خُلق كريم ومن مزايا ومناقب تعيدنا إلى أيام الشموخ . . إلى فجر الإسلام، عندما أعلن الرسول العربي في مكة الدعوة الإسلامية، مؤذ تا بميلاد عهد جديد ، اهتزت له الدنيا قي مشرق الأرض ومغربها . . وكانت الثورة الإسلامية . . وكانت وحدة الأمة العربية . . على يد رسول الله وخلفائه من بعده . .

ولذلك لا غرو إذا استبشر العرب الخير كله في ثورة الحسين بن علي، لأن الانطلاقة جاءت من مكان عزيز على قلوب العرب . . ومن رجل حبيب إلى قلوب العرب يعود بأصله العريق، ومحتده العظيم، إلى الدوحة الهاشمية الشريفة، إلى هاشم أول من ثرد الثريد وهشمه لأهل الحرم . . وهذه دلالة قاطعة على الكرم. ورجل هذه سجيته لا يمكن أن يحوز على كل المناقب التي تشكل القاسم المشترك للأخلاق العربية، التي يعتبر الكرم في مقدمتها دونما شك . .

وعندما انتسبت إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، في ربيع عام 1947 كان أول ما لفت نظري في دستور الحزب أن علم ( البعث ) هو علم الثورة العربية الكبرى. ولذلك فقد ازداد تقديري لهذه الثورة التي تعبر عن بداية عصر الانطلاق وتحرير امتنا العظيمة . . من الاحتلال التركي الذي كاد أن يقضي على كل القيم العربية متسترا بجلباب الخلافة الإسلامية . .
وتتالت الأيام . . وقرأت كثيرا عما كتب عن هذه الثورة، وكانت الغصّة تملأ صدري لسببين :

* الأول لأن الدول الاستعمارية، ولاسيما إنجلترا وفرنسا، قد غدرت بالثورة العربية وقائدها منذ الأيام الأولى للثورة، وقامت بتنفيذ مخططات السرية، التي كانت بالطبع تتناقض كليا مع مصلحة الأمة العربية، وسعت الدولتان إلى تحجيم الثورة عن طريق تقنين شديد للسلاح، وضغط على اندفاع قادتها، وعدم الاعتراف بعروبة الثورة، والتأكيد على طابع الثورة الحجازي والبدوي، والسعي بشتى الوسائل لقصر دور الثورة على حرب عصابات محدودة، وذلك بغية دون تحقيق انتصارات هامة تعزز نفسية العرب بأنفسهم، وتؤكد قدرتهم على تحقيق مطامحهم القومية. لذلك ما تكاد الفرحة الكبرى تملأ نفس المرء في بداية الثورة وانتصاراتها الأولى، حتى تتحول إلى ألم ممضّ وحقد عميق، عندما يلمس الإنسان غدر الحلفاء بحليفهم . . كلما تتابعت مسيرة الثورة.

* الثاني : الجحود الذي لقيته هذه الثورة، منذ قيامها وحتى الوقت الحاضر. وما من حركة ثورية في التاريخ العربي لقيت تجنيا وظلما وتباينا وتناقضا في الأداء والأحكام، مثل ما لقيته هذه الثورة. فقد نفر منها إخواننا في الجناح اbفريقي، الرازحون تحت السيطرة الاستعمارية الإنجليزية والفرنسية والإيطالية.

ورفضوها عفويا بتأثير ظروفهم دون أن يقدّروا ظروف إخوانهم عرب الجناح الآسيوي الرازحين تحت السيطرة التركية الطورانية. ونفرت منها الشعوب الإسلامية الرازحة تحت السيطرة الاستعمارية الإنجليزية والفرنسية والروسية للأسباب السابقة نفسها. وكان تعاطف هؤلاء جميعا مع تركيا كرها بالحلفاء لا حبا بهم ، ولم يقدروا ظروف عرب المشرق ولا ظروف قائد الثورة الحسين بن علي حين دفعه ظلم الاتراك وسعيهم للقضاء على الوجود العربي، إلى التعاون مع الحلفاء وكان شأنه كشأن الغريق الذي يتعلق بأفعى. وأساء أكثر من كتب عن الثورة العربية فهم الظروف الموضوعية، التي رافقت قيامها، ولهذا أساؤوا تقديرها ". انتهى الاقتباس.

* * *

التعليق : رغم أن العلاقة بين طلاس والعائلة الهاشمية، لم تكن وطيدة في ذلك الحين، إلاّ أن الحقيقة ستفرض نفسها، ونظهر أمام المتابعين، مهما حاول الكارهون والمزورون طمسها. وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع الكاتب، إلاّ أن ما ورد في الكتاب، هو شهادة لنوايا الشريف حسين الصادقة – عليه رحمة الله - تنصفه وهو بين يدي ربه، في محاولاته الجادة، لتوحيد الأمة العربية. ولكن بريطانيا تنكرت لوعودها له، وقامت بنفيه إلى جزيرة قبرص من عام 1924 – 1930، حيث توفي ودفن بجوار المسجد الأقصى في القدس الشريف.

التاريخ : 15 / 2 / 2026