تعود المخرجة لبريطانية الحائزة جائزة أوسكار، إيميرالد فينيل، لتثير الإعجاب من جديد بأحدث أعمالها السينمائية المقتبسة عن رواية "مرتفعات وذرينغ" (Wuthering Heights) لإميلي برونتي.
فبعد نجاحاتها السابقة في "امرأة شابة واعدة" عام 2020 (Promising Young Woman) و"سولتبورن" عام 2023 (Saltburn)، اختارت فينيل تقديم قصة الحب الخالدة بأسلوب يجمع بين الوفاء للنص الأدبي والتجربة العاطفية الشخصية، مقدمة رؤية تصفها بأنها "استجابة شعورية" للكتاب وليست مجرد نقل حرفي.
ترى فينيل أن اهتمامها بالرواية بدأ منذ مرحلة المراهقة، وهو ما ألهمها تقديم فيلم يلتقط الصدمة العاطفية والأثر العميق الذي يتركه العمل الفني في النفس عند التجربة الأولى.
وتوضح فينيل أنها سعت إلى تقديم اقتباس يقترب من الاستجابة الشعورية للنص الأدبي، أكثر من التزامه بالنقل الحرفي، قائلة إنها أرادت اختبار قدرتها على ترجمة الإحساس الذي يخلّفه الكتاب لدى القارئ. ورغم هذا التوجّه، حرصت المخرجة على الإبقاء على قدر كبير من حوارات إميلي برونتي الأصلية، إيمانا منها بأن كلمات المؤلفة تمتلك قوة لا يمكن تجاوزها.
وفي معالجتها البصرية، تجاوزت فينيل النظرة التقليدية لمقاطعة يوركشاير كخلفية مكانية، لتجعل من الطبيعة عنصرا فاعلا، بل "شخصية" مؤثرة في دفع الأحداث وتشكيل المزاج العام للفيلم.
كما اعتمد السيناريو على إبراز التضاد البصري بين قصر وذرينغ هايتس القاتم المشيّد من الحجر الخشن، وثروشكروس غرانج الغارق في الرفاهية، بما يعمّق الصراع الطبقي الذي يشكّل المحرك الأساسي لغضب هيثكليف وانكسار كاثي.
لغة الحرية
وتشير التقارير الفنية إلى أن الإخراج تعمد في النصف الأول تصوير مراحل الصبا بلغة بصرية توحي بالحرية المطلقة والإضاءة الطبيعية، قبل أن تتحول مع نضوج الأبطال إلى ظلال حادة وزوايا تصوير ضيقة، توحي بالحصار النفسي الذي تفرضه التقاليد والالتزامات الأسرية.
يؤدي النجمان الأستراليان مارغوت روبي وجاكوب إلوردي دوري الزوجين الشهيرين "كاثي" و"هيثكليف". ويمثل اختيار روبي تحولا مهما في مسيرتها، حيث تبتعد عن الأدوار المعاصرة لتجسد "برية" كاثي وعدم قدرتها على التكيف مع القيود، مظهرة الجانب المتقلب والمندفع للشخصية بدلا من تقديمها كضحية سلبية.
أما جاكوب إلوردي، فقد واجه تحديا كبيرا في تقمص شخصية هيثكليف المرتبطة بعمالقة التمثيل. واعتمد إلوردي في أدائه على "الصمت العدواني" ولغة الجسد لنقل التحول الدرامي من صبي منبوذ إلى رجل ثري يسعى لاسترداد كرامته المهدورة، وهو أداء وصفه النقاد بالبراعة والقسوة العاشقة.
يعد الجانب التقني حجر الزاوية في الفيلم؛ حيث قدم مدير التصوير لينوس ساندغرين صورا تعتمد على تباين الألوان الجريئة للأزياء مع كآبة المناظر الطبيعية العاصفة. ولعب التصميم الفني دورا محوريا؛ إذ بُنيت ديكورات القصر لتكون انعكاسا للحالة النفسية لهيثكليف، بممرات ضيقة وأثاث ضخم يولد شعورا دائما بالثقل.
وعلى الصعيد الموسيقي، كانت مساهمة الفنانة شارلي إكس سي إكس ضرورة درامية لكسر جمود "أفلام الحقبة". وعبر مزيج من تقنيات "السينثيزايزر" وآلات التشيلو، خلقت موسيقى تمنح الفيلم إيقاعا يشبه أفلام الإثارة النفسية، بعيدا عن الرومانسية الحالمة المعتادة، مما جعل المشاهد تبدو كلوحات فنية نابضة بالحياة.
يركز الفيلم في مدته البالغة 135 دقيقة على النصف الأول من الرواية، متتبعا العلاقة المعقدة منذ الطفولة وحتى الصدام بالواقع الاجتماعي. ويتوقع المحللون أن يثير الفيلم انقساما نقديا؛ فبينما سيحتفي به عشاق السينما الحديثة لجرأته، قد يواجه تحفظات من الأكاديميين المتمسكين بالنص الحرفي. ومع ذلك، فإن وجود أسماء بحجم روبي وإلوردي يضمن للفيلم حضورا طاغيا في شباك التذاكر، خاصة بين الأجيال الشابة.
نسخ سابقة
شهدت رواية "مرتفعات وذرينغ" لإميلي برونتي سلسلة من الاقتباسات السينمائية والتلفزيونية التي عكست تطور الرؤية الفنية لهذا العمل الكلاسيكي عبر العقود. تظل نسخة عام 1939، من إخراج ويليام وايلر وبطولة لورانس أوليفييه وميرل أوبرون، هي الأشهر كلاسيكيا؛ حيث ركزت على الجانب الرومانسي وحصلت على ثمانية ترشيحات للأوسكار، رغم أنها اختصرت النصف الثاني من الرواية.
في عام 1970، قدم المخرج روبرت فوست نسخة تميزت بجماليات بصرية لافتة من بطولة تيموثي دالتون، بينما جاءت نسخة عام 1992 لتكون أكثر وفاء للنص الأصلي، حيث ضمت النجمين رالف فاينز وجولييت بينوش، وقدمت لأول مرة النصف الثاني من الرواية المتعلق بالجيل الثاني من الشخصيات.
أما في العقد الأخير، فقد برزت نسخة المخرجة أندريا أرنولد عام 2011، والتي اعتبرت ثورية في طرحها؛ حيث اختارت الممثل جيمس هاوسون (ممثل من أصول إفريقية) لدور هيثكليف، معتمدة على أسلوب "الواقعية الخام" والتصوير المهتز والموسيقى المينيمالية (Minimalism)، مبتعدة عن الطابع الهوليودي البراق.
وتعد هذه النسخ المتفاوتة مرجعا أساسيا للمخرجة إيميرالد فينيل في اقتباسها لعام 2026، حيث تحاول الموازنة بين العاطفة الكلاسيكية والجرأة المعاصرة.
المصدر: وكالة الأنباء الألمانية