في مدينة غربية، يدخل شاب عربي المقهى نفسه كل يوم تقريبا لا لأن قهوته مميزة، بل لأن هناك من تجلس في الزاوية نفسها ترفع رأسها كلما سمعت صوت الباب. هو لا يتقن لغتها وهي لا تعرف من العربية إلا "شكرا" و"مرحبا"، واللغة المشتركة بينهما إنجليزية مكسرة ثم ضحك طويل على محاولة فاشلة لشرح نكتة لا تصل.

مع ذلك هناك شيء يتراكم من نظرات أطول من اللازم وقهوة تصل إلى طاولتها من غير تعليق ويد تلوح عند الوداع وكأنها تؤجل اعترافا لا يجد كلماته. هذا ليس حبا كما نقرؤه في الروايات، لا رسائل طويلة ولا "أحبك" واضحة ولا وعود كبيرة، ومع ذلك قلبه يعرف أن ما يشعر به ليس عابرا.

 

فإذا كان الحب في ثقافتنا يقال ويكتب ويُعترف به، فماذا يحدث عندما لا نملك أصلا اللغة التي نقوله بها؟ وكيف لرجل أن يحب امرأة لا تفهم قاموسه ولا يفهم لغتها ورغم ذلك يريد علاقة جادة لا مغامرة عابرة؟

الحب بلا لغة "ممكن" لكن ليس إلى النهاية

علم النفس لا يرفض فكرة الحب بلا لغة، بل يقول إن جزءا مهما من بداية الحب لا يحتاج كلاما أصلا.

  • الانجذاب (Attraction):يتكوّن من النظرة ونبرة الصوت وطريقة الحركة والرائحة والإحساس العام بـ"الراحة" أو "الكيمياء"، هذه كلها تعمل قبل أن يتبادل الطرفان أول حوار حقيقي.
  • الألفة الأولية (Early Affection):تنمو عبر تكرار اللقاء والضحك على التفاصيل والطقوس الصغيرة من قهوة مشتركة ومقعد ثابت وطريق واحد للمشي، حتى لو كان الحوار جُملا مكسّرة وإيماءات.
  • بدايات التعلّق (Early Attachment):حين يبدأ الغياب في الإيلام، والحضور في التهدئة، حتى مع بقاء اللغة ضعيفة.

أبحاث التواصل غير اللفظي تقول إن تعابير الوجه ولغة الجسد ونبرة الصوت تحمل جزءا كبيرا من الرسائل العاطفية، وإن الإنسان قادر على قراءة مشاعر الآخر الأساسية مثل الفرح والغضب والضيق حتى دون فهم كلماته.

إذن اللغة ليست شرطا لولادة الشعور، لكنها تصبح شرطا أساسيا لفهم هذا الشعور وبنائه في علاقة مستقرة، خاصة إذا كانت العلاقة جادة وليست نزوة عابرة.

"loving
اللغة ليست شرطا لولادة الشعور لكنها تصبح شرطا أساسيا لفهم هذا الشعور (شترستوك)

لماذا ينجح الرجل في البداية أكثر مما يتوقع؟

في أغلب الثقافات، والبحث العلمي يؤكد ذلك، الرجال يميلون إلى التعبير بالفعل والحضور أكثر من الكلام، بينما تميل النساء إلى التعبير بالكلمات والتفصيل والتسمية.

 في الثقافة العربية يتضخم هذا الفارق، إذ يُربى كثير من الرجال على أن "الرجل أفعال لا كلام"، وأن الكلام العاطفي الكثير نوع من الضعف، بينما تشجع المرأة أكثر على الحكي والبوح.

لذلك

، في علاقة بلا لغة مشتركة حقيقية فإن الرجل العربي لا يشعر فورا بالعجز، لأن طريقته الطبيعية في الحب أصلا غير لفظية، فهو يحضر ويساعد ويحمي ويقدم حلولا عملية ويترك أثرا يوميا في حياة من يحب.

أما المرأة، خصوصا القادمة من ثقافة تعتبر الكلام جزءا من الحب، فتشعر بافتقاد أعمق، وهي تريد أن تسأل وأن تعرف وأن تسمّي العلاقة، واللغة لا تسعف.

هكذا يبدو الرجل في البداية "متفوقا" في هذا النوع من الحب لكن الحقيقة أن غياب اللغة لا يحل مشكلته القديمة، بل يكشفها. فالأزمة ليست أن الرجل العربي لا يمتلك لغة أجنبية، بل أنه لم يتعلم بما يكفي لغة مشاعره حتى بالعربية.

"Happy
الرجال يميلون غالبا إلى التعبير بالفعل والحضور أكثر من الكلام (شترستوك)

قاموس الرجل غير المنطوق.. حين يصبح ميزة ثم فخا

التنشئة الذكورية السائدة في جزء كبير من مجتمعاتنا تقلل من قيمة الكلام العاطفي وتكافئ الصمت والاحتمال والفعل، فهي تجعل الطفل الذكر يسمع مبكرا "أنت رجل، لا تبكِ، لا تفضفض كثيرا".

وبذلك تصنع رجلا "حساسا للإشارات" يلتقط تغير المزاج من نظرة ويفهم الضيق من نبرة الصوت، لكنه فقير في المفردات العاطفية ولا يجد بسهولة كلمات لـ"أشعر بعدم الأمان" أو "أخاف أن أخسرك" أو "جرحتني" أو "أحتاج طمأنة".

وفي علاقة بلا لغة مشتركة، هذا القاموس الصامت يكون مفيدا في البداية فيستطيع أن يعوض ضعف اللغة بحضور حقيقي مثل توصيل أو مساعدة أو مرافقة أو ترتيب تفاصيل الحياة اليومية، لكن مع الوقت يتحول إلى فخ:

  • لا يستطيع أن يشرح بوضوح ماذا يريد من العلاقة.
  • لا ينجح في تحديد الحدود، ما يزعجه وما يؤذيه وما لا يمكنه قبوله.
  • لا يجد كلمات للتفاوض على المستقبل مثل الدين والزواج والأطفال وبلد الإقامة.

الحب هنا يكون موجودا لكن عاجزا عن الدفاع عن نفسه في وجه سوء الفهم.

"Valentine's
التنشئة الذكورية السائدة في جزء كبير من مجتمعاتنا تقلل من قيمة الكلام العاطفي (شترستوك)

لغة العين والجسد والطاقة.. أين تبدأ وكيف تتوقف؟

العين "تتكلم" نعم لكن ليس عن كل شيء، فتعابير الوجه ولغة الجسد تنقل المشاعر الأساسية بطريقة مشتركة بين الثقافات. نبرة الصوت والإيقاع يكشفان لنا مستوى الحنان أو الغضب أو التوتر حتى في لغة لا نفهمها.

هذه العناصر تصنع ما يصفه الناس عادة بـ"الكيمياء" أو "الطاقة" بين شخصين، لكنها لا تشرح وحدها:

  • قيمة الغيرة عند كل طرف.
  • معنى الحرية الفردية.
  • موقع الدين في الحياة.
  • صورة الزواج والأسرة.

الدعاية المبسطة كثيرا ما تسيء فهم دراسات عالم النفس الشهير ألبرت محرابيان، وتردد أن "93% من التواصل غير لفظي"، بينما الحقيقة أن هذه النسبة -في سياقها الأصلي- تتعلق بمواقف معينة للتعبير عن الانطباع العاطفي ولا تنطبق على كل أنواع الحديث.

بكلمات أقرب للقلب، يمكن القول إن لغة الجسد تشعل شرارة الحب لكنها لا تكفي وحدها لتمنع الحريق عندما يشتعل سوء الفهم.

"The
تعابير الوجه ولغة الجسد تنقل المشاعر الأساسية بطريقة مشتركة بين الثقافات (شترستوك)

من شرارة جميلة إلى علاقة جادة.. متى يبدأ الخطر؟

في العلاقات العابرة قد يكفي الانجذاب والانسجام اللحظي، لكن في علاقة جادة يريد فيها الرجل العربي بناء حياة مع شريكة من لغة أخرى، تظهر أسئلة ثقيلة:

إعلان
  • أين سنعيش؟
  • ماذا عن دين كل منا؟
  • ماذا لو جاء الأطفال؟ بأي لغة سيتحدثون وعلى أي قيم سيربون؟
  • ما حدود علاقاتنا بالآخرين؟ ما المعقول في الصداقة وفي السفر وفي العمل المختلط؟

دراسات عن الأزواج بين ثقافات ولغات مختلفة تشير إلى أن أكبر مصادر التوتر هي الفروق في أسلوب التواصل وفي معنى الالتزام وفي طريقة إدارة الخلاف.

يميل الرجل العربي غالبا إلى الانسحاب عند اشتداد النقاش أو الصمت خوفا من أن "يخطئ في الكلام" أو التعويض بهدية مثل عشاء أو مبادرة لطيفة، بدلا من مواجهة السؤال الصعب وجها لوجه. قد تبدو هذه الأفعال رومانسية، لكنها لا تحل المشكلة إذا ظلت الأسئلة الكبيرة بلا كلمات.

"Silhouette
أكبر مصادر التوتر بين الزوجين هي الفروق في أسلوب التواصل وفي معنى الالتزام وفي طريقة إدارة الخلاف (شترستوك)

من حب يُحس.. إلى حب يفهم ويعاش

القصص التي تنجو من هذا الامتحان ولا تبقى مجرد ذكرى جميلة في غربة بعيدة، تشترك غالبا في ثلاثة أمور:

  • لغة مشتركة تتطوّر بوعي

أحدهما أو كلاهما يتعلم لغة الآخر بجدية أو يتفقان على لغة ثالثة للحوار الجاد، ويسأل فيها "ماذا تقصدين بهذه الكلمة؟" بدلا من تركها للتخمين.

  • شجاعة تسمية المشاعر والحدود

أن يقول الرجل "هذا يؤذيني" و"هنا أشعر بالغيرة" و"هذا خط أحمر عندي"، وأن تسمي هي أيضا ما يجرحها وما لا تقبله.

  • قبول أن الحب هنا رحلة تعلّم

دراسة عن الأزواج متعددي الثقافات وجدت أن العلاقات الأكثر استقرارا هي التي يرى فيها الطرفان أن الشراكة ليست تهديدا لهويتهم، بل فرصة لتوسيعها من تعلّم لغة جديدة وفهم ثقافة أخرى إلى إعادة اكتشاف أنفسهم عبر عيون من يحبون.

بالنسبة للرجل العربي، هذا يعني شيئا واضحا وهو أن الرجولة العاطفية لا تُختبر فقط في قدرته على أن يشعر بعمق، بل في قدرته على أن يشرح هذا الشعور حتى لو كانت الكلمات متلعثمة ومكسّرة في البداية.

"Romantic
العلاقات الأكثر استقرارا هي التي يرى فيها الطرفان أن الشراكة ليست تهديدا لهويتهم (شترستوك)

في عيد الحب.. ماذا يبقى في النهاية؟

ربما لا يحتاج الحب إلى لغة كي يبدأ، فنظرة قد تكفي وابتسامة قد تغير مصير طريقين لم يكونا سيلتقيان. لكن الرجل الذي لا يتعلّم لغة الحب -بقاموسه وباللغة التي تفهمها من يحب- قد يظل حاضرا في القلب دون أن يكون ممكنا في حياة مشتركة طويلة.

وفي 14 فبراير/شباط، قد تكون الهدية الأهم التي يمنحها الرجل العربي لنفسه ولمن يحب، ليست وردة حمراء، بل خطوة صادقة خارج منطقة الراحة، وهي أن يتعلّم أن يقول ما كان يكتفي منذ سنوات طويلة بأن يشعر به فقط، وهومهاجر في "بلاد اللغة".

المصدر:الجزيرة+مواقع إلكترونية