في السياسة، قد تصمد النصوص طويلًا، لكن الأرض لا تنتظر.

وفي الضفة الغربية اليوم، لا يجري نقاش نظري حول حدود التسوية، بل إعادة صياغة فعلية للخريطة على وقع الجرافة، وبإيقاع أسرع من أي مسار تفاوضي.

لم يعد السؤال متعلقًا بهدم منزل هنا أو توسيع مستوطنة هناك. المسألة أعمق من حادثة ميدانية عابرة. نحن أمام مسار متراكم يعيد تشكيل المجال الجغرافي والديموغرافي في مناطق واسعة من الضفة، بينما يبقى الخطاب السياسي متأخرًا خطوة، أو صامتًا خطوة أخرى.

اتفاق أوسلو، الذي وُقّع عام 1993 باعتباره مرحلة انتقالية نحو تسوية نهائية، كان يفترض أن يُنهي مرحلته المؤقتة خلال سنوات محددة. لكننا في عام 2026 أمام واقع مختلف: المرحلة الانتقالية أصبحت أطول من عمر الاتفاق ذاته، والمناطق التي كان يُفترض أن يُحسم مصيرها في مفاوضات الحل النهائي تُدار فعليًا باعتبارها فضاءً سياديًا خاضعًا لإعادة هندسة مستمرة.

السؤال الذي يفرض نفسه بوضوح:
إذا كانت الأرض تتغير يوميًا، فهل ما يزال الإطار السياسي قائمًا كما هو؟ أم أن الوقائع الميدانية سبقت النصوص وتجاوزتها؟

التوسع الاستيطاني لم يعد مجرد مشروع سياسي يخضع للنقاش الداخلي، بل تحول إلى بنية ثابتة في معادلة الأمن والسيطرة. حين تُربط المستوطنات بشبكات طرق دائمة، وحين تتقلص المساحات الفلسطينية المتصلة، وحين تصبح أوامر الهدم أداة تنظيمية دورية، فإننا لا نتحدث عن إجراءات إدارية، بل عن إعادة تعريف تدريجية للمشهد الجغرافي.

وفي المقابل، تقف السلطة الفلسطينية في معادلة معقدة: تعترض سياسيًا، تتحرك دبلوماسيًا، لكنها لا تملك أدوات تنفيذية في مساحات واسعة من الأرض التي يُعاد تشكيلها. وهنا تتشكل فجوة بين المسؤولية السياسية والقدرة الفعلية.

أما جامعة الدول العربية، التي شكّلت القضية الفلسطينية لعقود عنوانًا دائمًا في بياناتها، فتجد نفسها أمام واقع يتغير بوتيرة أسرع من قدرتها على التأثير. البيانات تصدر، لكن الوقائع تتقدم. وفي عالم تحكمه المصالح المتحركة والتحالفات المتبدلة، تصبح الأرض أكثر صراحة من الخطاب.

الاتحاد الأوروبي والدول الغربية، الذين أكدوا مرارًا التزامهم بحل الدولتين واعتبروا الاستيطان عائقًا أمام السلام، يواجهون بدورهم اختبارًا حقيقيًا. فالتوصيف القانوني شيء، وترجمته إلى أدوات تأثير شيء آخر. إذا كان الاستيطان يقوّض التسوية، فهل يكفي وصفه بذلك؟ أم أن اللحظة تستدعي مراجعة أعمق لدور "الضامنين” في حماية المسار الذي رعوه؟
المسألة اليوم لم تعد قانونية فحسب، ولا تفاوضية فقط، بل تاريخية.

هل نحن أمام تعثر في عملية سياسية قابلة للإنقاذ؟

أم أمام انتقال تدريجي إلى واقع جديد يُفرض دون إعلان رسمي؟

الضمّ قد لا يُعلن بقرار صاخب، لكنه يمكن أن يتقدم بخطوات هادئة.

والتاريخ لا ينتظر من يكتب البيان، بل من يقرأ التحول في لحظته.

في الضفة الغربية عام 2026، السؤال لم يعد: ماذا تقول الاتفاقيات؟
بل: ماذا تقول الأرض؟
وحين تصبح الوقائع أسرع من النصوص،
فإن اللحظة لا تطلب تفسيرًا فقط،
بل موقفًا.