في توقيت اقتصادي حساس، جاء قرار تخفيض قيمة المخالفات المرورية بنسبة 30% كخطوة تُحسب في إطار التخفيف على المواطنين. لا شك أن أي تخفيض في الأعباء المالية مرحّب به، خصوصًا في ظل ظروف معيشية ضاغطة يعيشها الجميع دون استثناء. لكن السؤال الذي يتردد في الشارع ليس عن وجود التخفيض، بل عن كفايته.

المواطن اليوم لا يعيش رفاهية مالية. الرواتب ثابتة، وكلف الحياة تتصاعد، والالتزامات اليومية تزداد. وفي مثل هذا السياق، تصبح المخالفة المرورية – حتى لو كانت مستحقة – عبئًا إضافيًا يصعب تحمّله دفعة واحدة. ولذلك فإن تخفيض 30% قد يبدو خطوة إيجابية من الناحية الحسابية، لكنه في نظر كثيرين لا يلامس جوهر المعاناة.

القضية ليست في رفض القانون أو التقليل من أهمية الردع المروري. الانضباط على الطرق ضرورة، وسلامة الناس أولوية. لكن عندما تتراكم المخالفات على مواطن محدود الدخل، يصبح السؤال اجتماعيًا بقدر ما هو قانوني: هل الهدف من القرار تحصيل المستحقات بأسرع وقت، أم خلق مساحة تنفّس حقيقية للناس؟

لو كان التخفيض بنسبة 50%، لكان الأثر النفسي مختلفًا. ليس لأن الدولة مطالَبة بالتنازل الكامل، بل لأن الرقم المتوازن يرسل رسالة شراكة في تحمّل الظرف العام. 30% تخفيض قد يُفهم كحافز للسداد، أما 50% فكان سيُقرأ كإحساس أعمق بواقع الشارع.
الناس لا تطلب امتيازات، بل توازنًا. لا تطلب إسقاط المخالفات بالكامل، بل قرارًا يشعرها بأن الدولة تقف معها في لحظة الضيق، لا تكتفي بإدارة الأرقام. الفرق بين القرار الإداري والقرار الاجتماعي هو في مدى اقترابه من نبض الناس.

من المهم أيضًا أن يُفهم أن تخفيض المخالفات ليس مسألة مالية بحتة. هو جزء من علاقة أوسع بين المواطن ومؤسسات الدولة. كل قرار في هذا النوع يُقاس بمدى تأثيره على الثقة العامة، وعلى الإحساس بالعدالة.

قد تقول الحكومة إن الظروف المالية لا تسمح بأكثر من ذلك، وربما يكون هذا صحيحًا ضمن حسابات الموازنة. لكن من حق المواطن أن يتساءل: إذا كنا جميعًا نمر بمرحلة صعبة، فهل يمكن أن نتقاسم العبء بشكل أوضح؟

في النهاية، 30% تخفيض أفضل من لا شيء. لكنه يبقى في نظر كثيرين خطوة ناقصة في زمنٍ يحتاج إلى قرارات أكثر جرأة في التخفيف عن الفئات المتضررة. العدالة ليست رقمًا فقط، بل شعورًا متبادلًا بأن الأعباء موزّعة بإنصاف.
المواطن اليوم لا يريد خطابًا، بل إحساسًا.

وكلما اقتربت القرارات من هذا الإحساس، زادت ثقة الناس بأن الدولة تراهم… وتسمعهم.