إقرار الحكومة للأسباب الموجبة لمشروع القانون المعدِّل لقانون الضمان الاجتماعي، يبدو منهُ الوضوح التّام، بأنَّ عنوان المرحلة هو "الاستدامة المالية". هذا العنوان، بحدّ ذاته، ليس موضع خلاف ؛ فلا نظامَ تقاعديّ يمكن أن يستمرَّ بلا توازنٍ بين ما يدخله وما يُخرجه. غير أنَّ الإشكالَ الحقيقيّ لا يكمُن في الغاية، بل في الطريق الذي اختارته الحُكومة لبلوغِها: تشديد شروط التقاعُد ورفع عدد الاشتراكات، من دون أن تضعَ أمام الرأي العام الوثيقة الوحيدة التي تمنح هذا الخيار شرعيّته العلميّة، وأقصُد هنا "الدراسة الاكتوارية."
من حيث المبدأ، أيّ تشريعٍ يمسّ حقوقًا مالية مؤجلة -مثل الحق في التقاعد- لا يُعدّ تعديلًا إداريًا بسيطًا، بل هو إعادة تعريف لعلاقةٍ تعاقُديّةٍ طويلة الأمد بين العامل والدّولة. العامل يدفع سنوات من عُمره واقتطاعات من أجره على أساس قواعدٍ قائمة، وعندما تُغيّر الدولة هذه القواعد، فهي تمسّ توقعًا مشروعًا، محميًا بمنطق العدالة القانونيّة والاستقرار التشريعيّ. لهذا، فإنَّ رفع عدد
الاشتراكات المُتطلّبة لتقاعُد الشيخوخة" إلى 240 بدلًا من 180, ورفع عدد الإشتراكات المُتطلّبة ل"التقاعُد المُبكّر" إلى 360
ليسَ أرقامًا تقنيّة يُمكِن القفزُ عنها، وإنّما هي قرارات كفيلة بأن تُغيّرَ مسار حياة مئات آلاف الأُسر.
وفي إطارِ تبريرِ ذلك، تقول الحكومةُ إنَّ هذه التعديلات ضرورية "لضمان الاستدامة المالية". لكن، غابَ عن ذهنِ الحُكومة، أنَّ الاستدامةَ، في علم التأمينات الاجتماعيّة، ليست شعارًا سياسيًا، بل معادلة رياضية دقيقة...معادلة تُقاس بأعمار السكّان، ومُعدّلات البطالة، ومتوسط الأجور، ونِسب الاشتراك، وعدد المُتقاعدين، وعوائد استثمار أموال الصندوق. هذه المُعادلة لا تُفهم ولا تُناقَش إلّا عبر دراسةٍ اكتواريّة منشورة. وهنا تكمُن المفارقة. فلقد بُنيت الأسباب الموجبة على افتراضِ وجود خطرٍ ماليّ مُستقبليّ. لكن، الدراسة التي تُثبت حجم هذا الخطر، وتوقيته، وبدائله، لم تُعرض على المُجتمع ولا حتى على الرأي العام البرلمانيّ بشكلٍ رسمي.
وحفيقةً، هذا الغياب ليس تفصيلًا، كما يرى البَعض. فهو غيابٌ يفرغ التبرير القانوني من مُحتواه. إذ لا يجوز في دولةِ القانون أن يُطلب من العامل أن يعمل سنواتٍ أطول ويدفع أكثر، بينما يُحجب عنه الدّليل الذي يُبرر هذا العبء الإضافي. فالخيار ليس بين "إصلاحٍ أو إفلاس"، كما يُروَّج أحيانًا، وإنّما بين مساراتٍ مُتعدّدة للإصلاح. فمنها ما يتعلَّق بالتقاعُد، ومنها ما يتعلَّق بإدارة واستثمار أموال الصندوق، ومنها ما يتعلَّق بتوسيع قاعدة المشتركين ومحاربة التهرُّب...من دون الأرقام، لا نعرف لماذا اختير المسار الأسهل سياسيًا -تحميل الكلفة على العامل- بدل المسارات الأخرى.
هنا يبرُز دور المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، التي تُدير أحد أكبر الصناديق الماليّة في البلاد.
فإذا كانت المُشكلة حقيقيّة في الأُفق الماليّ للنظام ؛ فإنَّ أوَّل واجب عليها ليس الدّفع نحو تقليص حقوق المؤمَّن عليهم، بل نشر الصورة الكاملة: أين تُستثمر الأموال؟ ما العائد الحقيقيّ؟ ما حجم الهدر أو القرارات الاستثماريّة الخاطئة؟ فالنظام التأميني ليس شركة خاصة، بل مال عام مؤتمن عليه لصالح أجيالٍ متعاقبة.
قد يكون من المشروع أن تُراجَع شروط التقاعد في ضوء التحوُّلات الديموغرافيّة، وقد يكون وجه مِن أوجُه الضّرورة لتقييد التقاعد المُبكر الذي استُخدِم/ويُستخدَام أحيانًا بصورة مفرطة. لكن، الشرعيّة لا تأتي من حسن النية، بل من الشفافية.
من حقّ الأردني الذي سيدفع أكثر ويعمل أطول أن يرى الأرقام التي تقول له: هذا هو العجز المتوقَّع، وهذه هي كُلفته، وهذه هي البدائل التي دُرست، وهذا هو السبب الذي جعلنا نختار هذا الطريق دون غيره...وفي النهاية، المشكلة ليست في فكرة الإصلاح، بل في طريقة فرضه. فالإصلاح الحقيقي لا يُبنى على الخوف، بل على المعرفة. ومن دون نشر الدراسة الاكتواريّة، سيبقى تعديل قانون الضمان، مهما كانت نواياه، محاطًا بشكٍّ قانونيّ وأخلاقيٍّ مشروع: هل نحن أمام ضرورة مالية حقيقية، أم أمام أسهل حل على حساب العامل؟
والجواب، حتى هذه اللحظة، غائب مع غياب الأرقام.