كتب د. عدلي قندح - 

يمثل مشروع القانون المعدِّل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة 2026 تحوّلاً هيكلياً في فلسفة الحماية الاجتماعية في الأردن، ويمكن مقاربته تحليلياً من خلال نموذج SWOT الذي يتيح قراءة متوازنة لنقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات، في ضوء واقع سوق العمل الأردني والمعايير الدولية.

أولاً: نقاط القوة (Strengths)

1.تعزيز الاستدامة المالية والاكتوارية

رفع عدد الاشتراكات المطلوبة للتقاعد المبكر إلى 360 اشتراكاً، وزيادة اشتراكات الشيخوخة إلى 240، واعتماد التدرج في رفع سن التقاعد، كلها إجراءات تصب في تحسين الملاءة طويلة الأجل للنظام التأميني وتقليص فجوة الالتزامات المستقبلية.
2.حماية الحقوق المكتسبة

إقرار مبدأ الحفاظ على حقوق من استوفوا الشروط قبل التواريخ المحددة يعزز الثقة التشريعية ويمنع الإضرار بالمراكز القانونية المستقرة.

3.توسيع مظلة الحماية الاجتماعية

إلزامية شمول فئات جديدة تتواءم مع أنماط العمل الحديثة ينسجم مع مبادئ منظمة العمل الدولية بشأن تعميم الحماية الاجتماعية، ويعزز الشمول المالي والاجتماعي.

4.تعزيز الحوكمة والاستقلالية

التوجه لتعزيز استقلالية المؤسسة على غرار نموذج البنك المركزي الأردني يرفع مستوى الحوكمة، ويحدّ من التسييس، ويقوي إدارة المخاطر التأمينية والاستثمارية.

5.معالجة اختلالات الرواتب المتدنية

رفع الحد الأدنى لرواتب شريحة من المتقاعدين إلى 200 دينار يعكس بعداً تصحيحياً وعدالة اجتماعية للفئات الأضعف.

ثانياً: نقاط الضعف (Weaknesses)

1.تشدد مفرط في شروط التقاعد المبكر

اشتراط 30 سنة اشتراك بغض النظر عن العمر قد يحوّل التقاعد المبكر إلى مسار شبه مغلق، في اقتصاد يعاني من بطالة مرتفعة وضعف استقرار وظيفي.

2.رفع سن التقاعد في سوق غير مهيأ

رفع سن الشيخوخة تدريجياً حتى 65 عاماً للذكور و60 للإناث قد لا يتناسب مع واقع سوق عمل محدود الفرص لكبار السن، وغياب سياسات "الشيخوخة النشطة”.

3.فجوة العدالة بين القطاعين العام والخاص

العامل في القطاع الخاص أكثر عرضة لانقطاعات الاشتراك وفترات البطالة، ما يجعل استكمال 240 اشتراكاً تحدياً حقيقياً، بخلاف موظفي القطاع العام الأكثر استقراراً.

4.احتمالية زيادة التعويضات بدلاً من الرواتب التقاعدية

تشديد شروط الاستحقاق قد يدفع بعض العاملين إلى الاكتفاء بتعويض الدفعة الواحدة، ما يضعف البعد التأميني طويل الأجل للنظام.

ثالثاً: الفرص (Opportunities)

1.تحسين المركز الاستثماري للصندوق

إطالة مدة الاشتراك وتأخير التقاعد يعززان التدفقات النقدية، ويوسعان قاعدة الأصول تحت الإدارة، ما يمنح الصندوق الاستثماري فرصة لتنويع استثماراته وتعظيم عوائده.

2.مواءمة المعايير العالمية

رفع سن التقاعد يتماشى مع اتجاهات اعتمدتها دول أوروبية مثل ألمانيا وفرنسا لمواجهة الشيخوخة السكانية، ما يعزز مصداقية النظام أمام المؤسسات الدولية.

3.توسيع قاعدة المشتركين

إلزامية شمول أنماط العمل الجديدة تمثل فرصة لضم الاقتصاد غير المنظم تدريجياً إلى المنظومة التأمينية، ما يزيد العدالة ويقوي الإيرادات.

4.إصلاح بيئة الامتثال

تشديد الغرامات على المنشآت غير الملتزمة، مع فترة تصويب، قد يرفع مستوى الامتثال ويحد من التهرب التأميني ويحقق عدالة تنافسية بين الشركات.

رابعاً: التهديدات (Threats)

1.ارتفاع البطالة الهيكلية

إطالة سن التقاعد دون سياسات تشغيل موازية قد يبطئ إحلال الشباب ويزيد الضغط على سوق العمل.
2.تراجع الثقة المجتمعية

إذا شعر المؤمن عليه بأن شروط التقاعد أصبحت بعيدة المنال، فقد تتأثر ثقته بالنظام، ما قد ينعكس سلباً على الالتزام الطوعي.
3.ضغط اجتماعي على الفئات ذات الدخل المنخفض

في ظل محدودية الأجور وارتفاع كلفة المعيشة، قد يُنظر إلى رفع سن التقاعد وزيادة الاشتراكات كعبء إضافي على العاملين.
4.مخاطر عدم التكيّف المؤسسي

نجاح التعديلات مشروط بقدرة المؤسسة على إدارة التحول بكفاءة وشفافية. أي قصور في الحوكمة أو التواصل قد يفاقم الاعتراضات الاجتماعية.

الخلاصة الاستراتيجية

تحليل SWOT يكشف أن مشروع القانون يحمل نقاط قوة واضحة في جانب الاستدامة والحوكمة والتوافق مع المعايير الدولية، لكنه يواجه نقاط ضعف مرتبطة بصلابة الشروط مقارنة بواقع سوق العمل الأردني. نجاحه يتوقف على تحويل الفرص إلى سياسات مرافقة، مثل تحفيز تشغيل كبار السن، تطوير برامج التدريب المستمر، وتعزيز الشفافية الاستثمارية، لتفادي التهديدات المرتبطة بالبطالة والثقة المجتمعية.

بمعنى آخر، المشروع يمثل إصلاحاً مالياً ضرورياً، لكنه يحتاج إلى إطار اقتصادي واجتماعي داعم حتى لا يتحول التشدد التأميني إلى عبء غير متوازن على العامل الأردني.