كتب - د. معن علي المقابلة - في كل مرة يُطرح فيها تعديل على قانون الضمان الاجتماعي، يُقدَّم الأمر للرأي العام بوصفه ضرورة مالية لا بدّ منها لضمان "استدامة” النظام. غير أن السؤال الحقيقي الذي يتجنّبه صانعو القرار هو: هل المشكلة فعلاً في سن التقاعد وعدد الاشتراكات، أم في إدارة أموال الضمان نفسها؟
إن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي ليست جهة فقيرة الموارد، بل تدير واحداً من أكبر الصناديق المالية في البلاد. هذه الأموال ليست منحة من أحد، بل اقتطاعات شهرية من رواتب الأردنيين، جُمعت على مدار عقود بهدف تأمين مستقبلهم. ومع ذلك، بدلاً من أن تتحول هذه الأموال إلى استثمارات نوعية رابحة تعزز الاقتصاد الوطني وتخلق فرص عمل، وجدنا أنفسنا أمام تعديلات تُحمّل المشتركين كلفة "تصحيح المسار”.
جوهر الأزمة لا يكمن في رفع سن التقاعد إلى 65 عاماً للرجل و60 عاماً للمرأة، ولا حتى في اشتراط 360 اشتراكاً للحصول على راتب التقاعد، بل في محاولة الهروب من معالجة الخلل الحقيقي: ضعف العائد الاستثماري، وسوء توجيه بعض الاستثمارات، وعجز المؤسسة عن فرض استقلاليتها المالية. فحين تُدار أموال الضمان بعقلية بيروقراطية متحفظة أو تُوجَّه إلى مشاريع منخفضة الجدوى، فإن الخسارة لا تُسجَّل في دفاتر المؤسسة فقط، بل تُقتطع من أعمار العاملين وحقوقهم.
الأخطر من ذلك هو استمرار استدانة الحكومة من أموال الضمان، والتي تجاوزت عشرة مليارات دولار، وفق تقديرات متداولة. هذه الأرقام تطرح إشكالية عميقة حول استقلالية الصندوق. فكيف يمكن لمؤسسة مهمتها حماية مدخرات المواطنين أن تتحول إلى ممول رئيسي لعجز الخزينة؟ وأي رسالة تُرسل للمشتركين عندما يرون أموالهم تُستخدم لسد فجوات مالية بدلاً من استثمارها في مشاريع إنتاجية مستدامة؟
إن تحميل المواطن عبء الإصلاح عبر تشديد شروط التقاعد، في ظل واقع بطالة مرتفعة وفرص عمل متأخرة، يبدو أقرب إلى معادلة غير عادلة. فالمطلوبون للتعيين في مؤسسات الدولة، بحسب أنظمة ديوان الخدمة المدنية، كثير منهم تجاوزوا سن 45 عاماً، وبعضهم يبدأ حياته الوظيفية في السابعة والأربعين. كيف يمكن لهؤلاء استكمال 30 سنة اشتراك قبل بلوغ سن التقاعد؟ وهل يُعقل أن تتحول أخطاء الإدارة والاستثمار إلى عقوبة جماعية على الأجيال؟
الضمان الاجتماعي ليس مجرد صندوق مالي؛ إنه عقد ثقة بين الدولة والمواطن. وعندما يشعر المواطن أن هذا العقد يُعاد تعريفه كلما ظهرت فجوة مالية، فإن الثقة تتآكل. الإصلاح الحقيقي لا يبدأ برفع سن التقاعد، بل بإعادة هيكلة السياسات الاستثمارية، وتعزيز الشفافية، ووقف تحويل الصندوق إلى أداة تمويل للحكومات المتعاقبة.
إن الاستدامة لا تتحقق بتمديد سنوات العمل فحسب، بل بتحقيق عوائد عادلة على أموال المشتركين، وبفصل واضح بين أموال الضمان والسياسات المالية قصيرة الأمد. وأي تعديل لا ينطلق من هذه الحقيقة سيبقى، في نظر كثيرين، محاولة للهروب من أصل المشكلة بدل مواجهتها بشجاعة ومسؤولية.