عند تسجيل أي شركة في الأردن، يظن كثير من الشركاء أن عقد التأسيس والنظام الأساسي يكفيان لتنظيم العلاقة بينهم، باعتبارهما الوثيقتان اللتان يطلبهما القانون ويُسجلان لدى مراقب عام الشركات، غير أن التجربة العملية أثبتت أن معظم النزاعات التي تنشأ داخل الشركات لا تتعلق بوجود الشركة أو قانونيتها، بل بطريقة إدارتها والعلاقة اليومية بين الشركاء.

ففي البيئة التجارية المعاصرة، لم يعد عقد تأسيس الشركة وحده كافيًا لتنظيم العلاقة بين الشركاء، بل برزت اتفاقية الشراكة (أو اتفاقية المساهمين) بوصفها أداة تعاقدية مكملة تعالج المسائل التي لم يتناولها العقد الأساسي أو لم يفصلها بالشكل الكافي، فهذه الاتفاقية تُعد عقدًا مستقلًا يُبرم بين الشركاء، يحدد التزامات كل شريك وحقوقه بصورة تفصيلية، وينظم الجوانب العملية لإدارة العلاقة فيما بينهم، بما في ذلك كيفية خروج الشركاء وآلية شراء الأسهم أو بيعها أو نقلها، وتكمن أهميتها في أنها توفر حماية إضافية للشركاء من الاستغلال، وتؤسس لإطار واضح يحكم تعاملاتهم المستقبلية.

وتتميز اتفاقية الشراكة، باعتبارها عقدًا من العقود، بتوافر أركان وعناصر رئيسية تميزها عن غيرها، أول هذه الأركان هو تحديد الأهداف المطلوبة، حيث تُعنى الاتفاقية ببيان سبب إبرامها، وتحديد مهمة الشركة ورؤيتها والرسالة التي تقوم عليها، بما يضمن وضوح الاتجاه الاستراتيجي للشركاء ويقلل من احتمالية الاختلاف حول غايات المشروع.

أما الركن الثاني فيتمثل في هيكل المساهمين، إذ تُحدد فيه نسبة كل شريك من الأسهم المطروحة في الشركة، وأنواع الأسهم القائمة، مع بيان حقوق المساهمين ومكانتهم داخل الشركة، ويُعد هذا البيان أساسًا لفهم موازين القوة داخل الكيان القانوني، ولتحديد نطاق الحقوق المالية والإدارية لكل شريك.

ويأتي بعد ذلك ركن اتخاذ القرار، الذي يُعد من أهم العناصر التنظيمية في الاتفاقية، حيث يحدد كيفية اتخاذ القرارات الرئيسية، وحقوق التصويت، وهيكل مجلس الإدارة، والعتبة اللازمة لاعتماد القرارات، سواء كانت بالأغلبية البسيطة أو المعززة، كما يوضح صلاحيات المدراء والمفوضين بالإدارة، بما يضمن وضوح حدود السلطة ويمنع التضارب في الاختصاصات.

وفيما يتعلق بـ نقل وبيع الأسهم، تتناول الاتفاقية هذا الركن بتفصيل دقيق، ويتفرع عنه عدد من الحقوق المهمة، من ذلك حق الأولوية، الذي يمنح المساهمين الحاليين أولوية شراء أسهم الشريك الراغب في الخروج قبل عرضها على أطراف خارجية، كما يتضمن حق المشاركة، الذي يضمن للمساهمين من فئة الأقلية فرصة شراء حصص الشريك الخارج حمايةً لمراكزهم، ويقابله حق السحب، الذي يتيح للمساهمين من فئة الأغلبية إلزام الأقلية ببيع حصصهم في حالات معينة، ويضاف إلى ذلك حق القيد، الذي يفرض قيودًا على إمكانية نقل الأسهم أو بيعها للغير دون مراعاة الشروط المتفق عليها.

وتعالج الاتفاقية كذلك المساهمات والأمور المالية، إذ تُحدد مقدار حصة كل شريك من الأسهم، وتبين الآليات المتبعة لتدقيق التقارير المالية، بما يعزز الشفافية ويضمن الرقابة المتبادلة بين الشركاء.

ومن الأركان الجوهرية أيضًا القيود المفروضة على المساهمين، حيث قد تتضمن الاتفاقية شروطًا تمنع الشريك من إفشاء أسرار العمل، أو الانتقال إلى شركة منافسة، أو منافسة الشركة بعد خروجه منها، كما يمكن تضمين أي شرط أو قيد آخر على المساهم، شريطة ألا يخالف النظام العام، وهو ما يعكس مبدأ سلطان الإرادة في العقود ضمن الحدود القانونية.

أما آلية حل النزاعات فتمثل ركنًا بالغ الأهمية، إذ تحدد الوسائل التي يُلجأ إليها عند نشوب خلاف بين الشركاء، سواء من خلال الوساطة أو التحكيم، مع بيان الإجراءات المتبعة في كل حالة، ويسهم هذا التنظيم المسبق في تقليل أثر النزاعات وحصرها ضمن إطار قانوني منظم.

وتتضمن الاتفاقية كذلك استراتيجية الخروج والإنهاء، حيث تبين الآلية والقيود والشروط التي يمكن بموجبها للشريك الخروج من الشركة، سواء كان ذلك خروجًا طوعيًا أم جبريًا، وقد يشمل ذلك بند شراء الأسهم في مختلف الحالات، إضافة إلى معالجة الحالات الطارئة التي قد تصيب المساهم، كوفاته أو إصابته إصابة جسيمة تمنعه من الاستمرار في العمل.

ولا يقل أهمية عن ذلك تحديد الجهة القضائية المختصة، إذ يُمكّن هذا الركن من تحديد الاختصاص القضائي عند نشوب نزاع بين الشركاء، أو حتى في الحالات التي تكون فيها الشركة مدعية أو مدعى عليها، بما يحقق اليقين القانوني ويجنب الأطراف تضارب الاختصاص.

وتتجلى أهمية اتفاقية المساهمين في عدة جوانب عملية؛ فهي تحمي حقوق المساهمين، وتضمن المعاملة العادلة بينهم، وتمنع النزاعات أو تحد منها عبر تنظيم مسبق للعلاقات، كما تحدد بوضوح الإجراءات اللازمة للتعامل مع الخلافات، وتضمن استقرار التعامل والمراكز القانونية المكتسبة، وتضع قواعد واضحة لنقل الأسهم وبيعها والخروج منها، إضافة إلى ذلك، تعزز الاتفاقية ثقة المستثمرين، إذ إن وضوح قواعد الحوكمة يشجع على الاستثمار ويقوي الائتمان الخاص بالشركاء والشركة، وتمتاز أيضًا بمرونتها مقارنة بعقد الشركة الأساسي، إذ تتيح الاتفاق على مسائل لم تُدرج في العقد التأسيسي، مما يجعلها أداة فعالة لضبط العلاقة التعاقدية بما يتلاءم مع احتياجات الشركاء المتجددة.

وبذلك، تُعد اتفاقية الشراكة إطارًا تعاقديًا متكاملًا يحقق التوازن بين الحرية التعاقدية ومتطلبات الاستقرار القانوني، ويشكل ضمانة عملية لحسن سير الشركة واستدامة نشاطها.