كتب وسام السعيد-  ليس الهدف من المقارنة التقليل من عبادة أحد، فالصيام عبادة عظيمة في كل زمان، ولكن الهدف أن ننظر بصدق إلى واقعنا، وأن نعترف بحجم الراحة التي نعيشها اليوم مقارنة بمن سبقونا.  

صيام الأمس… 
حين كانت المشقة حقيقية  في الماضي، كان الصيف صيفًا بكل ما تعنيه الكلمة.
 حرارة مرتفعة، شمس حارقة، وبيوت لا تعرف المكيفات. بالكاد توجد مروحة، وإن وجدت فهي لا تدفع عنك لهيب القيظ إلا قليلاً. 

 وكان الشتاء شتاءً قاسيًا. برد قارص، ووسائل تدفئة محدودة، وأحيانًا معدومة. ملابس بسيطة لا تقي من البرد كما تفعل ملابس اليوم. 
كان الصائم يشعر بالحر في الصيف وبالبرد في الشتاء شعورًا مباشرًا لا حاجز بينه وبين الطبيعة. 

 أما العمل، فكان جهدًا بدنيًا في الغالب: زراعة، بناء، تجارة في الأسواق، مشي لمسافات طويلة. 
لا سيارة تنتظر أمام الباب، ولا مقعد مريح في مكتب مغلق. كان الوصول إلى العمل بحد ذاته جزءًا من التعب.  
الطعام كان بسيطًا: يفطر الناس على تمر وخبز وزيت أو ما تيسر.
 لا عشرات الأصناف، ولا موائد عامرة، ولا حلويات لا تنتهي.

وجبة السحور كذلك… قدر الحاجة لا أكثر. 
 والوقت؟ كان ثقيلاً. 
الدقيقة كأنها ساعة، والساعة كأنها يوم. 
لا هواتف ذكية، لا شاشات، لا وسائل ترفيه تسرق الإحساس بطول النهار.
 كان الصائم يواجه النهار بطوله الكامل، حاضرًا مع عطشه وجوعه حتى الأذان. 

 صيام اليوم… راحة لا نعترف بها  اليوم تغيّرت الظروف جذريًا. 

 في الصيف، المكيفات في البيت، في السيارة، في مكان العمل، في المراكز التجارية. 
تنتقل من مكان مكيّف إلى مكان مكيّف، فلا تكاد تشعر بحرارة النهار إلا لحظات. 
 وفي الشتاء، بالكاد نشعر بالبرد. 
وسائل التدفئة متوفرة، ملابس شتوية متعددة الطبقات، بطانيات دافئة، مياه ساخنة متى شئنا.
 أصبح الطقس – صيفًا أو شتاءً – عنصرًا يمكن التحكم به، لا معاناة مفروضة علينا. 

 أما الحركة، فاختُصرت: من باب المنزل إلى باب السيارة، ومن باب السيارة إلى باب العمل.
 حتى المجهود البدني أصبح خيارًا رياضيًا لا ضرورة حياتية. 
 وسائل الترفيه تملأ اليوم: هاتف ذكي في يدك طوال الوقت، مقاطع، أخبار، تواصل، ألعاب، بث مباشر. 
تمر الساعات دون أن تشعر. 

اليوم الذي كان طويلًا في الماضي أصبح يمر بلمح البصر.
 تصحو، تنشغل قليلًا، فإذا بالمغرب قد اقترب.

  أما موائد الإفطار… فتمتلئ بما لذّ وطاب: شوربات، مقبلات، أطباق رئيسية، حلويات، عصائر.
 وأحيانًا يفوق الطعام حاجتنا بكثير. 
 لو كنا منصفين مع أنفسنا لقلناها بصراحة: نحن نصوم اليوم في ظروف مريحة جدًا مقارنة بالماضي.  
لا نكابد حرارة بلا تبريد، ولا بردًا بلا تدفئة، ولا جهدًا بدنيًا مرهقًا كما كان، ولا قلة طعام كما كانت، ولا بطء وقت يرهق الأعصاب.  
المشقة اليوم أقل بكثير، لكن الشكوى أحيانًا أكثر.

  الصيام اليوم… فوز لمن أدرك النعمة  الصيام لم يتغير، لكن الظروف تغيّرت. 

 ومن يصوم اليوم شاكرًا، مدركًا لنعمة الراحة، فقد جمع بين العبادة والوعي.  المعركة لم تعد مع الحر والبرد، بل مع الترف الزائد، مع الغفلة، مع الانشغال الدائم، مع امتلاء الموائد أكثر من الحاجة.
  حين يدرك الإنسان أنه يصوم في بيت دافئ شتاءً، ومكيّف صيفًا، ويفطر على مائدة عامرة، ويمضي نهاره في وسائل تخفف عنه طول الوقت، ثم يحمد الله بدل أن يتذمر…  فهذا صيام مختلف. 

هذا صيام فيه وعي، وفيه شكر، وفيه اعتراف بالفضل. 

 لسنا في مشقة كالأمس، بل في راحة واضحة لو اعترفنا بها.
  فإن صمنا اليوم بقلوب شاكرة، وألسنة حامدة، ونفوس راضية،  كان صيامنا فوزًا عظيمًا… ليس فقط لأننا امتنعنا عن الطعام، بل لأننا أدركنا حجم النعمة ونحن صائمون.