تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر لحظاتها توتراً منذ سنوات، مع اندلاع مواجهة مفتوحة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، هذه الحرب لا يمكن قراءتها كجولة عسكرية تقليدية فحسب، بل هي صراع يتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الأهداف السياسية، وتتصادم فيه مشاريع الهيمنة الإقليمية مع صراعات النفوذ العالمي.
تتعامل إسرائيل مع إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأول، ليس فقط بسبب برنامجها النووي، بل أيضاً نتيجة بنيتها الصاروخية المتنامية وشبكة تحالفاتها الإقليمية، أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها أمام معادلة معقدة، فهي من جهة تريد منع إيران من التحول إلى قوة نووية قادرة على تهديد حلفائها، ومن جهة أخرى لا ترغب في الانجرار إلى حرب طويلة تستنزف مواردها في وقت تواجه فيه منافسة كبرى مع قوى عالمية أخرى. في المقابل، ترى طهران أن ما تتعرض له هو محاولة تطويق وإضعاف ممنهج، وأن مشروعها الدفاعي – سواء في المجال الصاروخي أو النووي – هو ضمانة بقائها في بيئة معادية.
الحرب الحالية تختلف في طبيعتها وسقفها عن المواجهة التي اندلعت عام 2025 واستمرت 12 يوماً، تلك الجولة كانت أقرب إلى "حرب رسائل" من ضربات مركزة، وردود محسوبة، وسقف تصعيد مضبوط نسبياً، أما اليوم، فالمؤشرات تدل على اتساع نطاق الأهداف وتعدد الجبهات، فالحديث لم يعد مقتصراً على تعطيل منشآت أو تدمير مواقع محددة، بل برزت إشارات سياسية مباشرة إلى إمكانية إسقاط النظام نفسه، تزامناً مع عملية اغتيالات واسعة، كما أن انخراط جبهات أخرى، واحتمال اتساع رقعة المواجهة نحو لبنان ومن المحتمل أيضاً ضد اليمن والعراق، يرفع من احتمال تحوّل الصراع إلى حرب إقليمية شاملة، لا سيما إذا تداخلت حسابات الردع مع ضغوط الرأي العام الداخلي لدى كل طرف.
وزادت حدة التعقيد في هذه الحرب هو تضارب الخطاب السياسي الأمريكي، فقد تنوعت تصريحات الرئيس الأمريكي بين التأكيد على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، والتشديد على تدمير صناعتها الصاروخية، وصولاً إلى التلميح بإسقاط النظام، هذا الغموض يعيد إلى الأذهان نماذج سابقة لحروب أمريكية بدأت بأهداف محدودة ثم توسعت دون تحديد واضح لشكل "النصر"، والمشكلة الجوهرية هنا ليست في القدرة العسكرية، فالتفوق الأمريكي–الإسرائيلي في الجو والبحر واضح، بل إنما في تعريف الهدف النهائي، هل المطلوب ردع؟ أم إضعاف؟ أم تغيير نظام؟ غياب الإجابة الدقيقة يفتح الباب أمام حرب استنزاف طويلة أو نتائج غير محسوبة.
يُطرح سؤال متكرر هل جوهر الصراع مع إيران هو رفض إسرائيل وأمريكا لوجود نظام إسلامي يمتلك قدرات عسكرية؟ القراءة الاستراتيجية تشير إلى أن المسألة أعمق من البعد الأيديولوجي، فإسرائيل وأمريكا لا تعادي كل الأنظمة ذات الطابع الإسلامي، لكنها ترى في النظام الإيراني تحديداً تهديداً وجودياً بسبب خطابه المعادي لهما، ودعمه لفصائل مسلحة، وسعيه إلى بناء معادلة ردع استراتيجية، بالتالي الصراع على نفوذ وأمن إقليمي أكثر من مواجهة عقائدية بحتة.
أما مسألة إسقاط النظام بالقوة العسكرية، فإن الضربات الجوية والبحرية قادرة على تدمير بنى تحتية عسكرية، وإضعاف الاقتصاد، وإرباك القيادة والسيطرة، لكنها نادراً ما تسقط أنظمة راسخة دون وجود دعم داخلي واسع أو تدخل بري مباشر، والاجتياح البري يبدو مستبعداً في ضوء المزاج السياسي الأمريكي الرافض لحروب طويلة جديدة في الشرق الأوسط، فإن الضربات وحدها لا تضمن انهيار الدولة، بل قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، إذ تدفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى الالتفاف حول السلطة في مواجهة تهديد خارجي، حتى لو كانت تعارضها في ظروف عادية.
ويبرز سيناريو مقتل المرشد الأعلى كعامل محتمل لتغيير المعادلة، غير أن اغتيال شخصية مركزية، مهما كانت أهميتها، لا يعني بالضرورة انهيار الجمهورية الإسلامية، النظام الإيراني قائم على شبكة مؤسسات عسكرية ودينية وأمنية متشابكة، وعلى رأسها الحرس الثوري، ما يمنحه قدرة على امتصاص الصدمات، وقد يؤدي غياب القيادة العليا إلى صراع داخلي على الخلافة، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تماسك أكبر للنخبة السياسية والعسكرية في مواجهة الخطر الوجودي.
وأما البعد الجيوسياسي، فإيران تُعد مورداً مهماً للطاقة بالنسبة إلى الصين، التي تستفيد من نفطها بأسعار تفضيلية، أي حرب طويلة تعطل الصادرات الإيرانية سترفع أسعار الطاقة عالمياً، وتزيد كلفة الإنتاج على بكين، ما يمنح واشنطن ورقة ضغط غير مباشرة في صراعها الاقتصادي مع الصين، من هنا يرى مراقبين أن الحرب لا تستهدف إيران وحدها، بل ترتبط بسياق أوسع من المنافسة على النفوذ العالمي وسوق الطاقة.
الحرب الحالية أكثر خطورة وتعقيداً من جولة 2025 القصيرة، واحتمال امتدادها قائم كما أن سقفها السياسي يبدو أعلى، غير أن جميع الأطراف تدرك أن كلفة الحرب الشاملة ستكون هائلة، سواء من حيث الخسائر العسكرية أو تداعياتها الاقتصادية والسياسية، ويبقى العامل الحاسم هو وضوح الأهداف، فالحروب التي تُخاض بلا تعريف دقيق للنصر غالباً ما تتحول إلى أزمات طويلة مفتوحة، بينما الحروب ذات الأهداف المحددة قد تبقى ضمن حدود يمكن احتواؤها، وبين هذين المسارين يقف الشرق الأوسط أمام مفترق طرق تاريخي قد يعيد رسم توازناته لسنوات قادمة.