كتب زياد فرحان المجالي
في لحظات التحول الكبرى، لا يكون السؤال فقط: من يربح المعركة؟ بل: ماذا يريد المنتصر أن يفعل بانتصاره؟ الحروب ليست مجرد جولات عسكرية، بل أدوات لإعادة تعريف التوازنات، ورسم حدود النفوذ، وتحديد شكل الإقليم في اليوم التالي. وما يجري اليوم في المواجهة بين إسرائيل وإيران لا يمكن قراءته فقط بوصفه صراعًا على برنامج نووي أو ردع صاروخي، بل بوصفه محطة في صراع أوسع على شكل الشرق الأوسط المقبل.
منذ سنوات، تتحدث إسرائيل عن "إزالة التهديد الوجودي” القادم من إيران. هذا التعبير ليس عابرًا، بل يحمل في داخله تصورًا استراتيجيًا يعتبر أن بقاء إيران كقوة إقليمية مركزية، تمتلك نفوذًا ممتدًا عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن، يشكل تحديًا بنيويًا لأمن إسرائيل ومكانتها. لذلك، فإن أي مواجهة عسكرية واسعة لا تُفهم فقط في إطار منع سلاح محدد، بل في سياق إعادة ضبط ميزان القوى.
لكن هنا يبرز سؤال يتكرر في النقاشات الإقليمية:
هل الهدف هو تحجيم إيران فقط، أم أن وراء ذلك مشروعًا أوسع لإعادة صياغة الإقليم؟
في الخطاب السياسي الإسرائيلي، خاصة لدى تيارات اليمين القومي والديني، تظهر أحيانًا إشارات رمزية إلى حدود توراتية أو رؤى تاريخية واسعة. عبارة "من النيل إلى الفرات” استُخدمت في أدبيات فكرية وأيديولوجية منذ عقود، وأصبحت جزءًا من المخيال السياسي في بعض البيئات. غير أن التمييز ضروري بين الخطاب الرمزي وبين السياسة التنفيذية.
حتى اللحظة، لا توجد وثيقة استراتيجية رسمية معلنة تتبنى مشروعًا جغرافيًا توسعيًا يمتد خارج فلسطين التاريخية. لكن في المقابل، هناك ما هو أكثر واقعية وأشد تأثيرًا: مشروع لتكريس إسرائيل بوصفها مركز القوة الأمنية الأول في المنطقة، وصاحبة اليد العليا في تعريف التهديدات وكيفية التعامل معها.
الفرق بين التوسع الجغرافي المباشر وبين الهيمنة الاستراتيجية جوهري. الأولى تعني احتلال أراضٍ وإعادة رسم حدود، وهي خطوة مكلفة عسكريًا وسياسيًا، بل شبه مستحيلة في عالم اليوم. أما الثانية فتعني إعادة ترتيب البيئة الإقليمية بحيث تصبح إسرائيل الدولة المرجعية أمنيًا، والقادرة على فرض معادلات الردع، والتحكم في إيقاع الصراعات.
إذا نظرنا إلى سلوك إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، نجد تركيزًا واضحًا على تفكيك مراكز القوة المعادية لها: ضرب التموضع الإيراني في سوريا، استهداف قدرات حزب الله، تقويض بنى حماس، ومحاولة منع تثبيت معادلات ردع جديدة. هذه التحركات لا تشير إلى مشروع احتلال إقليمي واسع، لكنها تعكس سعيًا مستمرًا لتقليص كل عنصر قد يحد من حرية الحركة الإسرائيلية.
في هذا السياق، تصبح إيران أكثر من خصم؛ تصبح العقدة المركزية في شبكة نفوذ إقليمي. ضرب إيران، أو إضعافها جذريًا، يعني تلقائيًا إضعاف امتداداتها. لذلك يُطرح في بعض الأوساط الإسرائيلية أن مجرد تدمير جزء من القدرات العسكرية الإيرانية لا يكفي، بل يجب إحداث تغيير عميق في المعادلة، سواء عبر تعديل سلوك النظام أو عبر إعادة تشكيل البيئة السياسية الداخلية.
غير أن هذا الطرح يصطدم بحقائق معقدة. إيران دولة كبيرة، ذات مؤسسات راسخة وتجربة طويلة في إدارة الضغوط والعقوبات. أي محاولة لإسقاط نظامها بالقوة قد تفتح الباب أمام فوضى إقليمية واسعة، لا يمكن ضمان نتائجها. هنا يظهر الفارق بين الحساب الإسرائيلي والحساب الأميركي. واشنطن، حتى في لحظات التصعيد، تبقي أعينها على الكلفة الاستراتيجية طويلة المدى، وعلى تجارب سابقة في فيتنام والعراق وأفغانستان، حيث لم يؤدِ إسقاط أنظمة إلى استقرار مستدام.
لذلك، يمكن القول إن المعركة الحالية تدور على مستويين:
مستوى عسكري مباشر، ومستوى أعمق يتعلق بتعريف شكل الإقليم بعد الحرب. هل ستخرج إسرائيل من هذه المواجهة وقد كرّست نفسها مركزًا لا يمكن تجاوزه؟ أم ستُفضي التطورات إلى تسوية تعيد إنتاج توازن هش جديد؟
السؤال عن "إسرائيل الكبرى” بصيغته الجغرافية قد يكون مبالغًا فيه إذا فُهم حرفيًا. لكن السؤال عن "إسرائيل المركز” سؤال واقعي ومشروع. فالدولة لا تحتاج إلى احتلال جيرانها كي تصبح القوة المهيمنة؛ يكفي أن تُضعفهم، وتفكك تحالفاتهم، وتفرض معادلاتها الأمنية.
في النهاية، لا يُعاد رسم الشرق الأوسط فقط عبر الخرائط، بل عبر موازين القوة. المشروع الأخطر ليس بالضرورة مشروع حدود ممتدة، بل مشروع تحويل دولة إلى مرجعية أمنية عليا، تدور حولها بقية العواصم.
من هنا، فإن قراءة ما يجري من بوابة إيران فقط قد تكون قاصرة. المسألة أوسع: إنها معركة على تعريف النظام الإقليمي. والسؤال الذي سيبقى مفتوحًا بعد أن تهدأ المدافع ليس: من انتصر؟ بل: من حدّد شكل المنطقة في اليوم التالي؟