كتب بهاء الدين صوالحة -

حملة الغضب الملحمي التي أطلقت رصاصتها الأولى أمريكا ترامب وربيبها "الوديع" كيان نتنياهو، رافقها بمواكبة ما شرعته على المنطقة من أبواب جهنم، حملة "تبريرات" موازية تكاثرت عناوينها منذ اليوم الأول، لتغرق المنطقة بالمزيد من وحل الفوضى وغياهب المجهول وعدم اليقين بمآلات "الحرب المقدّسة" التي يقودها السيد ترامب بمعية "نيرون" وبتكليف من "الربّ"، وأصابت بشررها دول المنطقة وزعزت سكينتها.

يبرر "ترامب" ومن ورائه "إسرائيل" هجومهما على "إيران" بأنه خطوة استباقية لكبح جماح برنامج الأخيرة النووي والذي بزعمهما كاد أن يصل إلى مراحله النهائية في غضون أسابيع معدودة لولا "فطنة" العيون الساهرة على أمن وأمان المنطقة وسلامة دولها وشعوبها، مع تنكّر الولايات المتحدة وإدارة ظهرها لخط سير المفاوضات مع الجانب الإيراني والتي وصلت إلى نقطة تقدّم مبشّرة بحسب تصريحات وزير الخارجية العُماني عشية بدء الحرب، والتي فاجأت الجانب العُماني – الوسيط -، فيما اعتبرتها طهران بأنها خداع أمريكي.

التبرير الأمريكي الإسرائيلي الذي جعل منه الجانبان قميص عثمان في مغامرتهما المجنونة، والتي تنذر بإشعال أتون حرب عالمية ثالثة كما حذّر وزير الخارجية الروسي "سيرغي لافروف"، فتح الباب أمام جملة أخرى من "التبريرات" لكل التطورات اللاحقة التي أعقبت الشرارة الأولى.

حيث بررت إيران هجماتها على دول الخليج العربي والأردن بأنها تستهدف القواعد الأمريكية فيها ومراكز عملياتها بأنها خيارها الوحيد للدفاع عن نفسها أمام "العدوان العسكري الأمريكي – الصهيوني" كما جاء على لسان الرئيس الإيراني مسعود برشكيان في رسالته إلى زعماء دول المنطقة الصديقة والجارة.

حزب الله بدوره وجد نفسه هو الآخر في موضع "التبرير" بعد دخوله على خط المواجهة المباشرة في لعبة الحرب، مرجعاً دافعه إلى جانب الانتقام لمقتل زعيمه ومرجعه الروحي "السيد خامنئي" بأنه دفاع عن لبنان بأهله، وردّاً على الاعتداءات المتتالية للاحتلال الإسرائيلي في مناطق الجنوب لمدة تزيد عن 15 شهراً دون رادع.

دول المنطقة أيضاً لم تجد بُدّا هي الأخرى من اللجوء إلى تبرير ضرباتها لموجات الصواريخ والمسيرات الإيرانية الموجهة لأراضيها وأجوائها من باب الدفاع عن النفس، بل والتلويح بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما تواصلت الاعتداءات الإيرانية على سيادتها.

الأمر لم يكن بعيداً كذلك عن "الشركاء الأوربيين" الذين أعلنوا جاهزيتهم للدفاع عن حلفائهم في المنطقة مبررين ذلك بأنه حفاظاً على مصالح شركائهم وسلامة أراضيهم.

أمام هذا المشهد المعقّد المستعصي على الفهم، وجد المتابع نفسه أمام سلسال "تبريرات" لا تتوقف حبّاته عن الانفراط تباعاً، تبرير وراءه تبرير وراءه تبرير. لدرجة أن عدوى التبريرات تلك وصلت إلى النائب الأردني "علي الخلايلة" الذي دفعه حسّه الوطني "المحق طبعاً" إلى الطلب من السلطات فتح الأجواء الأردنية امام الدول "الصديقة" – التي لم يسمّها – مبرراً ذلك بأنه للرد على الاعتداءت الإيرانية وصوناً لسيادة الأردن وحماية لأراضيه، متحدّيا "العدو" الإيراني كما وصفه غير آبه به إلى حد استعداده لمنحهم إحداثيات منزله لقصف أغلى ما يملك (......) إن هم استطاعوا!!

وكذلك فعل الوزير السابق "سميح المعايطة" الذي بلغ به إندفاعه الوطني، للمطالبة بإغلاق السفارة الإيرانية في عمّان "مبرراً" ذلك أيضاً بتحول السفارة إلى "وكر للجواسيس" لدولة تكتسب بأفعالها العدائية صفة "العدو".

تلك "التبريرات" ورغم ما تحمله من تعارض في مضمونها مع موقف الأردن الرسمي القاضي بالالتزام على الحياد في معركة ليست معركته أو الوقوع في شرك الإنجرار إليها، لا يمكن قراءتها بمعزل عن حالة اللاتوازن الذي أرادت الولايات المتحدة وحليفتها "الوحيدة" فرضه على المنطقة إنطلاقاً من نظرية "القوة عن طريق الحرب" بديلاً عن وهم "السلام عن طريق القوة" الذي حاول ترامب تسويقه على اعتباره عالمي ملك السلام العالمي غير المتوج بجائزة "نوبل"، والمخلص الإلهي المنتظر من الحروب والشرور التي تعصف بالكون.

وإذا كانت تطورات الأحداث وتفاعلاتها المتلاحقة توحي بأننا ما زلنا في بداية دوامة "التبريرات" القادرة على إعادة توليد نفسها ذاتياً مع كل نقطة تحول في مجريات الحرب، إلا أنه من الواجب إعادة قراءة المشهد بتمعّن وشجاعة لنحدد مصدرها الرئيس على أقل تقدير. فكل من الأطراف بات طائر "تبريره" في عنقه، في محاولة تبرئة الذات من ذنب "البادئ" الأظلم، ما يدفعنا لتتبع الطريق بخطوات عكسية وصولاً إلى ذلك "البادئ" الذي لم يكتف بظلم البدايات بل يواصل اقتراف الظلم أينما حلّ وأينما خطت قدماه.

فإذا كانت الاعتداءات الإيرانية على سيادة دول المنطقة وتهديداتها لسلامة أراضيها وشعوبها مستحقة الإدانة بأشد العبارات، ولا يحتمل القبول بها تحت أي "تبرير"، فإن أولوية التنديد والشجب والإدانة وما يرادفها من عبارات ومواقف الاستنكار، وجب توجيهها بالمقام الأول لمن أشعل النيران ويأبى إطفائها، بل ويطالب الجميع وتحت تهديد "الهيمنة" و"القوة" بأن يتحمّل عواقب أفعاله هو، وهنا أقصد بشكل لا لبس فيه "الولايات المتحدة الأمريكية" وحليفتها "إسرائيل".

فإذا ما استرجعنا ذاكرة التاريخ قليلاً، لاكتشفنا أن أمريكا هي المسؤولة الأولى عن كل الخراب الذي حل في المنطقة، وعن كل أزمات العالم خلال خمسين عاماً مضت على الأقل. من الحرب العراقية الإيرانية التي كانت أمريكا هي المحرّك الأول لها، إلى أفغانستان، مروراً باحتلال العراق، فسوريا، فلبنان، فالصومال، فليبيا، إلى صناعة ما يعرف بالجماعات المسلحة المتطرفة، وحتى النزاع الروسي الأوكراني الذي ما كان يمكن أن يمتد إلى هذا الحد لولا تحريض واشنطن.

أما "فلسطين" فحكاية أخرى، لا يخفى على أحد تفاصيلها ولا الدور الأمريكي فيها الذي رعى الكيان حتى اشتد عوده وكشّر عن أنيابه وبدء بتنفيذ هلوساته التلمودية – وفي العلن – لإقامة كيانه الموعودة من النيل إلى الفرات، بتحفيز من العصابة الصهيومسيحية التي تتحكم بمفاصل البيت الأبيض وقراراته وتوجه سيده.

غاية الحديث؛ نعم إن لإيران مشروعها التوسعي على حساب المنطقة والذي قد نختلف معه كثيراً، ولنظام الملالي خطاياه التي أغرقتنا، وأغرقت دول المنطقة بالكثير من الآهات، لكنها شئنا أم أبينا دولة "أصيلة" في المنطقة، وحضارة راسخة، وجارة تاريخية محاذية، ومكون جيوسياسي إقليمي ثابت، ولا يمكن بحال من الأحوال فهم ما تسعى إليه دول المنطقة من حصر الإدانة في الصراع الأخير بتصرّفات إيران و "إعتداءاتها"، واستثناء الطرف "البادئ الأظلم" من أي إدانة تصريحاً ولا تلميحاً، في إصرار على قراءة عجز البيت والقفز عن صدره، من خلال الانحياز ضدها بالكامل، فيما يغض النظر قصداً عن الخطايا الأعمق لكيان طارئ عقيدته ومشروعه قائم على التهام المنطقة، والتنكيل والتشريد والقتل وتحقيق هلوساته التلمودية، والتغافل عن روايته المتطرّفة التي تجعل منا عبيداً بلا رؤوس!