حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتهاء المعركة، كان السؤال الحقيقي قد بدأ للتو: ماذا بقي من ميزان الردع في الشرق الأوسط بعد أن توقفت الصواريخ؟
في الحروب الحديثة لا تُقاس النتائج فقط بحجم الضربات العسكرية أو عدد الأهداف التي أصيبت، بل بالمعادلات التي تتركها الحرب خلفها. ولهذا فإن إعلان نهاية العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة نهاية الصراع، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة من الحسابات الاستراتيجية. ومن هذا المنظور تبدو إيران اليوم وكأنها تسعى إلى تثبيت قاعدة ردع جديدة في المنطقة، قاعدة تختصرها عبارة تتكرر في خطابها السياسي والعسكري: العين بالعين، والمثل بالمثل.
هذه العبارة ليست مجرد صيغة خطابية، بل تعكس مبدأ ردعيًا تسعى طهران إلى ترسيخه بعد المواجهة الأخيرة. فإيران لا تحاول إعلان انتصار عسكري تقليدي بقدر ما تحاول تثبيت قناعة لدى خصومها بأن أي هجوم مستقبلي عليها لن يكون بلا ثمن، وأن كلفة الحرب المقبلة ستكون أعلى بكثير من كلفة الحرب التي انتهت.
منذ الأيام الأولى للمواجهة، كان واضحًا أن إيران تدرك طبيعة التوازن العسكري غير المتكافئ بينها وبين خصومها. فإسرائيل تمتلك تفوقًا تكنولوجيًا وعسكريًا كبيرًا، بينما تبقى الولايات المتحدة القوة العسكرية الأكبر في العالم. لكن العقيدة العسكرية الإيرانية، التي تطورت خلال عقود من العقوبات والضغوط، لا تقوم أساسًا على محاولة مجاراة هذا التفوق، بل على إيجاد وسائل تجعل أي مواجهة مباشرة مكلفة إلى الحد الذي يدفع الخصم إلى إعادة التفكير في جدوى الحرب.
ومن هنا يمكن فهم الرسائل العسكرية التي حاولت طهران إرسالها خلال المواجهة الأخيرة. فإلى جانب الضربات الصاروخية التي استهدفت مواقع إسرائيلية، ركز الخطاب الإيراني على التذكير بشبكة القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في المنطقة. وتشير تقديرات عسكرية إلى أن الولايات المتحدة تمتلك ما يقارب خمسة وثلاثين قاعدة ومنشأة عسكرية في محيط إيران، تمتد من الخليج العربي إلى العراق وسوريا وآسيا الوسطى.
هذه القواعد تمثل، من وجهة النظر الإيرانية، البنية اللوجستية لأي عملية عسكرية ضد إيران، لكنها في الوقت نفسه تشكل نقاطًا حساسة في حال تحول الصراع إلى مواجهة إقليمية أوسع. ولذلك فإن الرسالة الإيرانية بدت واضحة: إذا تحولت الحرب إلى مواجهة مفتوحة، فلن تبقى محصورة بين إيران وإسرائيل فقط، بل قد تمتد لتشمل شبكة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
لكن البعد العسكري ليس العنصر الوحيد في هذه المعادلة. فإلى جانب الصواريخ والقواعد العسكرية، هناك عنصر آخر لا يقل أهمية في الحسابات الاستراتيجية، وهو عنصر الطاقة. وهنا يبرز مضيق هرمز بوصفه أحد أكثر نقاط الاختناق أهمية في الاقتصاد العالمي.
تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) إلى أن ما يقارب 20 إلى 21 مليون برميل من النفط يوميًا تمر عبر مضيق هرمز، أي ما يعادل نحو خمس تجارة النفط العالمية. كما تمر عبر المضيق كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، خصوصًا من قطر التي تعد أحد أكبر مصدري الغاز في العالم. ولهذا فإن أي اضطراب في حركة الملاحة في هذا الممر البحري الضيق يمكن أن ينعكس فورًا على أسعار الطاقة في الأسواق العالمية.
الصور التي بثتها القنوات الإخبارية لحركة السفن في المضيق تكشف حجم هذه الأهمية الاستراتيجية. فعشرات ناقلات النفط وسفن الغاز تعبر يوميًا هذا الممر الحيوي، في مشهد يوضح كيف أصبحت الجغرافيا البحرية جزءًا أساسيًا من معادلة الصراع في المنطقة.
ومع ذلك، تدرك إيران أن إغلاق المضيق بشكل كامل قد يؤدي إلى مواجهة بحرية مباشرة مع الولايات المتحدة، وهو سيناريو يحمل مخاطر كبيرة. لذلك تبدو الاستراتيجية الإيرانية قائمة على مقاربة أكثر تعقيدًا تقوم على رفع مستوى المخاطر في المضيق دون الوصول إلى إغلاقه فعليًا.
فمجرد ارتفاع مستوى التوتر العسكري في المنطقة قد يكون كافيًا لإرباك أسواق الطاقة العالمية. فالتوتر في المضيق يؤدي عادة إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري وزيادة أسعار النفط، وهو ما يخلق ضغوطًا اقتصادية على القوى الكبرى المعتمدة على استقرار أسواق الطاقة.
هذه القراءة لا تقتصر على التحليلات الإقليمية، بل تتقاطع أيضًا مع تقديرات عدد من مراكز الدراسات الدولية. فقد أشار تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن إلى أن إيران تحاول تحويل المواجهة العسكرية إلى معادلة استنزاف متعددة المستويات، تجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي. كما أشار باحثون في معهد تشاتام هاوس البريطاني إلى أن مجرد التهديد باضطراب الملاحة في مضيق هرمز قد يكون كافيًا لإدخال الأسواق العالمية في حالة من القلق.
لكن الهدف النهائي لهذه الاستراتيجية لا يبدو مرتبطًا بإطالة أمد الحرب بقدر ما يرتبط بمنع تكرارها. فالرسالة التي تحاول طهران إرسالها هي أن أي محاولة لإعادة استهدافها في المستقبل ستواجه برد يتجاوز حدود المواجهة المباشرة.
في الشرق الأوسط، نادرًا ما تنتهي الحروب بانتصار حاسم لطرف واحد. بل تنتهي غالبًا عندما يدرك كل طرف حدود القوة التي يستطيع استخدامها دون أن يدفع ثمنًا يتجاوز قدرته على الاحتمال. ومن هذه الزاوية، قد يكون إعلان نهاية المعركة مجرد محطة سياسية، بينما تستمر المعركة الحقيقية في شكل مختلف.
ففي منطقة تتقاطع فيها الجغرافيا العسكرية مع أسواق الطاقة العالمية، قد لا تكون نهاية الحرب هي اللحظة التي تتوقف فيها الضربات العسكرية، بل اللحظة التي تتشكل فيها توازنات جديدة للقوة.
ومن هذا المنظور، تبدو المواجهة الأخيرة أقل شبهاً بحرب تقليدية، وأكثر شبهاً بعملية إعادة رسم بطيئة لميزان الردع في الشرق الأوسط. ميزان يقوم على معادلة واضحة تحاول إيران تثبيتها اليوم: العين بالعين.