ما حدث من قيام أحد الآباء بإلقاء ابنته من الحافلة بطريقة عنيفة هو سلوك مرفوض ومدان بكل المقاييس، ولا يمكن تبريره تحت أي ظرف. لكن التوقف عند هذا الفعل وحده لا يكفي، فالمشهد الذي سبق الحادثة يكشف خللًا أعمق يستحق المساءلة.
الحافلة التي ظهرت في الواقعة تطرح تساؤلات مشروعة: هل ما نشهده من اكتظاظ للطلبة داخل وسائل النقل، دون مراعاة لأبسط معايير السلامة، يُعد وسيلة نقل آمنة؟ وهل يُعقل أن يجلس الطلبة على الأرض أو يُحشروا داخل حافلات غير مجهزة، في طريقهم إلى مكان يفترض أنه بيئة للتعلم والرعاية؟
هذه الأسئلة تقودنا إلى جذور المشكلة. فالأصل أن تكون المدرسة قريبة من سكن الطالب، بحيث يتمكن من الوصول إليها بسهولة، وربما سيرًا على الأقدام. لكن الواقع اليوم مختلف تمامًا؛ إذ يجد ولي الأمر نفسه مضطرًا لتحمل تكاليف نقل إضافية، بسبب غياب التخطيط الكافي لتوزيع المدارس بما يتناسب مع التوسع السكاني، خاصة في العاصمة والمدن الكبرى.
وحتى في الحالات التي تكون فيها المدرسة قريبة نسبيًا، فإن البيئة المحيطة – من شوارع وأرصفة – لا توفر دائمًا الحد الأدنى من الأمان للطلبة. وهنا تتكامل الأزمة: نقص في الأبنية المدرسية، سوء توزيع جغرافي، وبيئة حضرية غير مهيأة.
في ظل هذا الواقع، يصبح من غير المقبول أن يُترك ولي الأمر وحيدًا في مواجهة هذه التحديات. بل إن مسؤولية وزارة التربية والتعليم لا تقتصر على توفير مقعد دراسي، بل تمتد لتشمل ضمان وصول الطلبة إلى مدارسهم بكرامة وأمان. وهذا يتطلب إما التوسع الجاد في بناء المدارس الحكومية، أو توفير منظومة نقل مدرسي آمنة ومنظمة تخفف العبء عن الأسر.
في المقابل، لا يمكن تجاهل التوسع الكبير في قطاع التعليم الخاص، الذي أصبح حاضرًا في معظم الأحياء. هذا التوسع لم يأتِ من فراغ، بل يعكس فجوة في التعليم الحكومي دفعت كثيرًا من الأسر – رغم محدودية دخلها – إلى البحث عن بدائل. والمفارقة أن مشهد الحافلات المدرسية الخاصة التي تملأ الشوارع يوميًا بات دليلًا على حجم هذا التحول. حتى إن التخفيف الملحوظ في أزمة السير خلال فترات اختلاف الدوام بين المدارس الخاصة والحكومية يكشف بوضوح مدى اعتماد المجتمع على هذا القطاع.
لكن هذا الاعتماد لا يخلو من ثمن. فالتعليم الخاص، رغم أهميته، أصبح في بعض الحالات عبئًا ماليًا ثقيلًا، مع شكاوى متزايدة من ارتفاع الرسوم واستغلال حاجة أولياء الأمور، في ظل غياب بدائل حكومية كافية.
إن استمرار النقص الحاد في المدارس الحكومية، خصوصًا في مدن مثل العاصمة والزرقاء وإربد، لم يعد مجرد تحدٍ إداري، بل تحول إلى قضية تمس جودة التعليم ومستقبل الأجيال. ولا يمكن فصل تراجع نتائجنا في الاختبارات الدولية عن هذا الخلل البنيوي في البنية التحتية التعليمية.
المشكلة، إذن، ليست حادثة فردية، بل منظومة تحتاج إلى مراجعة جادة. فالتعليم ليس مجرد صفوف وكتب، بل بيئة متكاملة تبدأ من باب المنزل وتنتهي عند باب المدرسة. وبين هذين البابين، تقع مسؤولية لا يجوز التهاون بها.