كتب زياد فرحان المجالي -
العلاقة بين الخليج وإيران ليست ملفًا طارئًا في السياسة العربية، بل واحدة من أكثر قضايا الإقليم حساسية وتعقيدًا. فهي علاقة تحكمها الجغرافيا أولًا، ثم تتشابك فوقها اعتبارات الأمن والطاقة والنفوذ والتاريخ. ولهذا، فإن السؤال لم يعد: هل توجد مشكلة بين العرب وإيران؟ بل: هل يمكن بناء توازن واقعي يحمي العرب من كلفة الصدام، ومن أخطار الفراغ في الوقت نفسه؟
منذ عقود، نظرت دول الخليج إلى إيران بوصفها دولة جارة كبرى، لكن هذه الجيرة لم تكن يومًا مريحة بالكامل. ففي عهد الشاه، ظهرت إيران قوة إقليمية طامحة، مدعومة من الغرب، وتسعى إلى دور واسع في الخليج. وبعد الثورة الإسلامية عام 1979، تبدل شكل النظام، لكن القلق الخليجي لم يختفِ، بل أخذ أبعادًا جديدة مع صعود الخطاب الثوري، وظهور طموحات سياسية وأمنية تجاوزت حدود الداخل الإيراني.
ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية لتترك أثرًا عميقًا في ذاكرة المنطقة. يومها دعمت دول خليجية العراق بدافع الخوف من امتداد الثورة الإيرانية، بينما رأت طهران في ذلك اصطفافًا عربيًا ضدها. ومنذ تلك اللحظة، تراكمت الشكوك المتبادلة، وباتت العلاقة محكومة بقدر كبير من الحذر، حتى في الفترات التي شهدت محاولات تهدئة أو تقارب.
لكن التحول الأكبر جاء بعد عام 2003، حين سقط العراق من معادلة التوازن القديمة، ووجدت إيران مساحة أوسع للتمدد في أكثر من ساحة عربية. هنا لم يعد القلق الخليجي قائمًا فقط على الذاكرة أو الخطاب، بل على وقائع سياسية وأمنية مباشرة، عززت الشعور بأن إيران لا تكتفي بدور الدولة الجارة، بل تسعى إلى بناء نفوذ ممتد في الإقليم.
ومع ذلك، فإن التعامل مع هذه الحقيقة لا يكون بالشعارات ولا بالانفعال. فإيران ليست دولة يمكن تجاهلها، ولا طرفًا يمكن شطبه من الجغرافيا. وفي المقابل، لا يمكن للعرب القبول بأن يبقى أمنهم القومي تحت ضغط التهديد أو الابتزاز أو تحويل ساحاتهم إلى ميادين رسائل متبادلة. هنا تحديدًا تبرز الحاجة إلى التوازن.
التوازن المطلوب ليس ضعفًا، وليس تسوية على حساب المصالح العربية، بل معادلة واضحة تقوم على ثلاث ركائز: أولًا، حماية الأمن القومي العربي بكل أدواته السياسية والدفاعية. ثانيًا، رفض أي تدخل مباشر أو غير مباشر في شؤون الدول العربية. ثالثًا، إبقاء باب الحوار مفتوحًا على قاعدة الاحترام المتبادل للسيادة والمصالح.
هذا هو الخيار الأكثر عقلانية للعرب، لأن البديل عنه ليس نصرًا حاسمًا ولا استقرارًا مضمونًا، بل مزيد من الاستنزاف. فالمنطقة لم تعد تحتمل حروبًا مفتوحة، ولا مزيدًا من تفكيك الدول، ولا تحويل الخليج إلى ساحة صراع دائم بين القوى الإقليمية والدولية. والمطلوب اليوم هو أن يكون للعرب موقفهم المستقل، لا أن يكونوا مجرد طرف يتلقى نتائج المواجهات التي يصنعها الآخرون.
لقد أثبتت التجربة أن التصعيد مع إيران يرفع الكلفة على الجميع، كما أثبتت أيضًا أن غياب الحزم يشجع على مزيد من التمدد. ومن هنا، فإن الطريق الواقعي ليس في القطيعة المطلقة، ولا في التساهل المطلق، بل في ميزان دقيق يجمع بين الردع السياسي والأمني، وبين الدبلوماسية الهادئة التي تمنع انفجار الإقليم.
الخليج لا يحتاج إلى حرب جديدة، كما أنه لا يحتمل أوهام الطمأنينة المجانية. ما يحتاجه فعلًا هو رؤية عربية واضحة تدرك أن الجوار مع إيران قدر جغرافي، لكن طريقة إدارة هذا الجوار هي التي تحدد إن كان مصدر خطر دائم، أم علاقة يمكن ضبطها ضمن حدود المصالح والاحترام المتبادل.
الخلاصة أن حماية العرب لا تتحقق بإدارة الخوف، بل بإدارة التوازن. وهذا التوازن لا يُبنى بالكلمات فقط، بل بموقف عربي موحد، وعقلاني، وواقعي، يعرف كيف يفتح باب الحوار حين يفيد، وكيف يرفع سقف الحزم حين يلزم.