كتب وائل منسي- في لحظة إقليمية شديدة التعقيد خلال مارس 2026، يجد دونالد ترامب نفسه أمام معادلة تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية إلى قلب الاقتصاد السياسي العالمي.
فالتصعيد مع إيران لم يُترجم إلى نصر حاسم كما روّجت الخطابات السياسية، بل انزلق تدريجياً إلى نمط حرب استنزاف مركّبة، تتداخل فيها أدوات الطاقة والأسواق والانتخابات.
من الناحية الاقتصادية، يبرز مضيق هرمز كأحد أهم مفاتيح الضغط. هذا الشريان الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، يمنح طهران قدرة غير مباشرة على التأثير في أسعار الطاقة، وأي اضطراب محدود ينعكس فوراً على كلفة الوقود عالمياً، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة.
هنا تكمن المفارقة: إدارة رفعت شعار خفض الأسعار وتحفيز الاقتصاد تجد نفسها محاصرة بتداعيات سياساتها الخارجية، حيث تتحول الحرب إلى عبء مالي على المستهلك الأمريكي قبل أن تكون مكسباً استراتيجياً.
سياسياً، لا تقل الصورة تعقيدا، فإسرائيل التي كانت تراهن على حسم سريع، تواجه واقعاً ميدانياً مختلفاً، يتسم بصمود إيراني وقدرة على إدارة الصراع بأدوات غير تقليدية من الصواريخ بأنواعها والطائرات المسيّرة إلى تهديد خطوط الملاحة.
في هذا السياق يتآكل مفهوم "الحسم السريع" ويحل محله منطق الاستنزاف طويل الأمد حيث تتراجع فعالية "فن الصفقات" أمام خصم لا يتعامل مع الزمن كعامل ضغط بل كأداة استراتيجية.
أما على المستوى الاستراتيجي الأوسع، فإن استمرار التوتر يفتح الباب أمام تحولات أعمق في بنية النظام الاقتصادي العالمي خاصة فيما يتعلق بهيمنة البترودولار إذ أن تصاعد المخاطر في الخليج قد يدفع قوى دولية إلى تسريع البحث عن بدائل نقدية وتجارية، ما يعني أن الصراع لا يهدد فقط استقرار المنطقة، بل يعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الهيمنة المالية الأمريكية.
في ضوء ذلك تبدو خيارات واشنطن محدودة ومكلفة في آن واحد: إما المضي في التصعيد بما يحمله من مخاطر تضخم وركود، أو البحث عن مخرج تفاوضي سريع قد يُفسَّر كتنازل استراتيجي.
وبين هذين الخيارين، يصبح العامل الحاسم ليس فقط موازين القوة العسكرية، بل أيضاً قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحمل كلفة "حرب بلا نهاية واضحة".
وتكشف هذه الأزمة أن الصراعات المعاصرة لم تعد تُحسم في ساحات القتال وحدها، بل في أسواق الطاقة، وسلوك المستهلك، وصناديق الاقتراع.
وما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة جيوسياسية، بل اختبار حقيقي لقدرة القوة العظمى على إدارة توازن دقيق بين الطموح الاستراتيجي والاستقرار الاقتصادي الداخلي.