في الحروب الكبرى، لا تُقاس المواقف بوضوح العدو فقط، بل بقدرة الأطراف المختلفة على الحفاظ على اتساقها الأخلاقي والسياسي تحت الضغط. فرفض الحرب لا يمنح أي طرف حصانة من النقد، ولا يبرر توسيع دائرة الصراع على حساب دول لم تكن جزءاً منه.

من هذا المنطلق، يبدو المشهد الراهن أكثر تعقيداً مما تحاول بعض الروايات تبسيطه. فالحرب التي تتعرض لها إيران تحمل بالفعل أبعاداً تتجاوز البعد الأمني إلى الجيوسياسي، ما يجعل معارضة هذه الحرب موقفاً مفهوماً ومقبولاً في سياق رفض منطق الهيمنة وفرض الوقائع بالقوة. غير أن هذا التفهم يصطدم بسلوك إيراني مريب يثير تساؤلات مشروعة، خصوصاً عندما يمتد أثره إلى دول الجوار.

في هذا السياق، تبرز الشكوى التي قدمتها طهران ضد الأردن إلى الأمم المتحدة بوصفها نقطة اختبار حقيقية لمدى تماسك الرواية الإيرانية. فالاتهام بأن الأردن قدّم "تسهيلات” لعمليات عسكرية ضدها عارٍ عن الصحة وغير مثبت ويفتقر إلى الأدلة ، ويتناقض مع معطيات ميدانية تشير إلى أن الضربات الرئيسية نُفذت من منصات بعيدة، بحرية وجوية.

ولا تقف إشكالية الرواية الإيرانية عند حدود غياب الأدلة، بل تتجاوز ذلك إلى تجاهل معطيات ميدانية معاكسة تماماً. فخلال الأسابيع الأخيرة، تعاملت الدفاعات الجوية الأردنية مع موجات متكررة من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفت مواقع داخل الأراضي الأردنية، في نمط يعكس وضعاً دفاعياً بحتاً لا صلة له بأي دور هجومي مفترض.وهنا ينطبق على الموقف الإيراني تجاه الأردن المثل الشعبي الذي يقول:"ضربني وبكى وسبقني واشتكى!"
هذه الوقائع لا تعيد فقط تعريف موقع الأردن في هذا التصعيد، بل تقلب معادلة الاتهام نفسها: من دولة يُدّعى تورطها في الهجوم، إلى دولة تتعرض لانتهاكات مباشرة لسيادتها وتسعى لاحتوائها ضمن حدود القانون الدولي.

في المقابل، فإن ما أعلنه الأردن بشأن هذه الانتهاكات، وتحركه لتوثيقها ضمن الأطر القانونية الدولية، يضع المسألة في سياقها الصحيح: سياق دولة تمارس حقها المشروع في الدفاع عن أجوائها وحماية مواطنيها، لا دولة منخرطة في عمليات هجومية.

هنا تحديداً تتكشف المشكلة: فبدلاً من حصر المواجهة في نطاقها المباشر، اختارت ايران توسيعها سياسياً عبر توجيه اتهامات لدولة لم تكن طرفاً فيها. وهذا النهج، حتى لو فُسِّر في سياق الضغط الذي تواجهه، لا يغير من كونه مقاربة تجانبها الحقيقة ، وبحمل في طياته مخاطر توسيع دائرة التوتر الإقليمي.

التحدي الذي يواجه إيران اليوم لا يقتصر على إدارة صراعها مع خصومها، بل يشمل أيضاً كيفية إدارة علاقاتها مع محيطها. فالحفاظ على قدر من الاتساق في الخطاب والسلوك الإقليميين ليس ترفاً سياسياً، بل شرطاً ضرورياً للحفاظ على أي رصيد من التعاطف أو التفهم.

بالنسبة للأردن، فإن الموقف يبدو أكثر وضوحاً: الدولة التي تجد نفسها في محيط مضطرب لا تملك ترف الانخراط في صراعات لا تخصها، ولا يمكنها القبول بأن تُدرج ضمن روايات وافتراءات لا تستند إلى وقائع. فسيادتها ليست موضوعاً للتأويل، ولا بنداً قابلاً للمساومة تحت أي ظرف.

في النهاية، لا يكفي أن نكون ضد الحرب؛ بل يجب أيضاً أن نكون ضد اختلال المعايير في تفسيرها. فالتفهم لا يعني التغاضي، والاعتراض على العدوان لا يبرر القبول باتهامات غير مثبتة.

وبين هذين الحدّين، يتشكل موقف أكثر تماسكاً:
رفضٌ واضح للحرب، يقابله رفضٌ لا يقل وضوحاً وإدانة لا شك فيها لمحاولات تحميل الآخرين كلفتها.