كتبت النائب د. ديمة طهبوب -
قيل في المثل العربي "اخر العلاج الكي". والمسكوت عنه من المثل أن هناك خطوات أولى وكثيره يجب القيام بها واستنفاذها قبل اللجوء الى الخطوات النهائية التي يخف معها منسوب الأمل ويزداد منسوب اليأس ويكون عندها السيل قد بلغ الزبى والقلوب بلغت الحناجر وما عاد هناك حل سوى الطفو او الغرق او الموت او الحياة.
ومنذ دخولي الى عالم السياسة، لم أجد قانونا يحظى بالاهتمام وبغالبية رافضة لكل التعديلات او بعضها أو أهمها مثل تعديلات قانون الضمان الاجتماعي حتى اؤلئك الذين يرون أن لا بد من التعديل يصكون على اسنانهم بصعوبة انجازه في هذه الفترة تحديدا وبضرورة ايجاد اجماع وطني حوله وقيام الحكومة بخطوات حسن نية بمحاسبة من أوصلوا الضمان لهذه المرحلة وأن تفرض، اليوم وليس غدا، سقفا أعلى للرواتب العليا التي تأكل الحصة الأكبر من فاتورة الرواتب التقاعدية حتى يشعر المواطن بجدية خطوات الحكومة في ترسيخ العدالة التأمينية.
وأعود للسؤال هل كان بإمكان الحكومة اللجوء الى خطوات علاجية أخرى قبل التعديلات القاسية؟
اذا كانت نقطة التعادل الاولى تؤشر نحو زيادة النفقات على الايرادات فكان الاولى بالعلاج ان يركز على زيادة الايرادات بزيادة الاشتراكات وتوسيع مظلة الشمول واستقطاب مشتركين جدد وهذه من الاقتراحات الممكنة والمهمة دون اللجوء للتأثير على حقوق الناس ورفع سن التقاعد لعمر لا يناسب سوق العمل ولا تحديات البطالة ولا الحالة الصحية للمواطنين عند سن الستين وما بعد، فما المقصود بالفئات غير المشمولة بالضمان والتي يمكن أن تنضم وتزيد الاشتراكات وتبعد نقطة التعادل الأولى؟
هي فئات تعمل وتكسب دخلا داخل الأردن لكن لا تدخل الاشتراكات للضمان لأن:
١. دخلها متقطع/يومي (عمال مياومة/موسميون) فلا يناسبهم نموذج الاشتراك التقليدي.
٢. لا يوجد صاحب عمل واحد يقتطع ويورد للعاملين على المنصات او "الفريلانسر" من غير العاملين بعقد ثابت
٣. بعضهم لديه مشاكل في التصريح او الهوية ويعمل خارج التنظيم مثل أبناء أردنيات/أبناء غزة
٤. بسبب التهرب لدى بعض المنشآت من شمول الوافدين أو التصريح الصحيح للأجور.
والحل هنا بدل أن نزيد الاقتطاعات على غير الملتزمين أن نضم غير الملتزمين وغير المشمولين ونحول جزء من "الاقتصاد الرمادي" إلى اشتراكات.
ولانجاز هذا الشمول باقتطاع تلقائي بسيط بدل الاشتراك التقليدي نحتاج الى ٣ أدوات :
١. جهة اقتطاع (Withholding Agent)
وتشمل: المنصة/مكتب الاستقدام/المشغل/النقابة/الترخيص وتصبح جهة توريد للضمان
٢. اشتراك نسبي من الدخل (Pay-as-you-earn)
بدل اشتراك ثابت، يكون نسبة صغيرة من الدخل الفعلي تُقتطع عند كل عملية اودفعة.
٣. باقة حد أدنى لمن دخله متذبذب يضمن الاستمرارية التأمينية لمن دخله لا يكفي كل شهر
وهنا يأتي السؤال المباشر من هي الفئات التي يمكن شمولها كفئات جديدة مشاركة في الضمان؟
١. سائقي وعمال التطبيقات والمنصات (نقل/توصيل/خدمات)
اعتبار المنصة جهة اقتطاع، ويمكن مثلا اقتطاع نسبة (5–7%) من صافي دخل السائق/العامل وتوريدها للضمان، مع وجود مساهمة من المنصة (مثلاً 1–2%) كجزء من مسؤوليتها الاجتماعية/التعاقدية.
هذا السيناريو ينتج عنه دخول عشرات الآلاف للشمول والاستفادة من منافعه دون رفع اشتراك موظف واحد ملتزم.
٢. العمالة اليومية/ الموسمية (زراعة/إنشاءات/ورش)
ويربط الشمول بالترخيص/تصريح المهنة/تصاريح العمل بالمشروع (مشروع إنشائي مثلاً)، ويشتركون عبر المحافظ الإلكترونية/الدفع الرقمي. ويمكن تحفيزهم في السنة الأولى بتخفيض جزئي عند الالتزام بدل مطاردة وتغريم فقط.
٣. العمالة المنزلية ومقدمو الرعاية: ويربط الشمول بعقد العمل/مكاتب الاستقدام ويكون الاقتطاع بسيطا مع بوابة دفع الكترونيه سهلة للأسر.
٤. العاملون لحسابهم (Self-employed) وأصحاب المشاريع الصغيرة جدا ويمكن شمولهم بشرائح اشتراك تبدأ من حد أدنى منخفض مع خيار رفع الشريحة، وحوافز للالتزام تشمل خصم أول سنة أو تسهيلات ترخيص/تمويل عند وجود براءة ذمة ضمان.
٥. الفئات التي تحتاج حل هوية/تصريح وأبناء الأردنيات + أبناء غزة/الجواز المؤقت وكثير منهم يعمل خارج التنظيم بسبب قيد الهوية/التصاريح لا بسبب رفض الاشتراك، والحل إنشاء "معرّف تأميني بديل” (Insurance ID) يُستخدم للاشتراك والتحصيل دون تعقيدات، وفتح مسار اشتراك اختياري/شبه إلزامي تدريجي يبدأ بإصابات العمل ثم يتوسع.
٦. العمالة الوافدة وفي حالتهم لا تكون المشكلة في القانون بل التطبيق والتهرب، والحل العملي يكون بربط تجديد تصريح العمل بـ "براءة ذمة ضمان” إلكترونية، مع وجود رقابة رقمية على الأجور المصرّح عنها.
اذن لب هذا الحل أن أي توسعة شمول لازم تكون Self-financed أي أن تمويلها يأتي من دخل الفئة نفسها بالاضافة الى مساهمة المنصة/المشغل، وليس من رفع اقتطاعات المشتركين الحاليين.
أخيرا وتلخيصا، إذا كانت نقطة التعادل الأولى تعني ازدياد الضغط والفجوة بين النفقات والإيرادات، فالأصل في العلاج أن يبدأ أولًا من توسيع قاعدة الإيرادات، عبر زيادة الشمول، وضبط التهرب، واستقطاب فئات تعمل وتكسب داخل الاقتصاد الأردني لكنها ما تزال خارج المظلة التأمينية أو خارج التطبيق الفعلي لها. هذه معالجة ذكية وعادلة، لأنها تنقل النقاش من منطق تحميل الملتزمين مزيدًا من الأعباء، إلى منطق ضم غير المشمولين وغير الملتزمين وتحويل جزء من الاقتصاد الرمادي إلى اشتراكات منتجة ومنصفة.
إن توسعة الشمول يجب أن تُطرح باعتبارها جزءا أساسيا من الحل، فالحكومة مطالبة بأن تثبت بالأرقام أنها استنفدت فعليا بدائل زيادة الإيرادات قبل أن تمس حقوق المشتركين الحاليين، وهذا يشمل: توسيع الشمول، مكافحة التهرب، تحسين التحصيل، وتحميل الخزينة جزءا من كلفة القرارات الحكومية السابقة التي أسهمت في دفع أعداد كبيرة نحو التقاعد المبكر أو نقل الأعباء من الخزينة إلى صندوق الضمان.
وعليها أن تنشر مصفوفة أثر مالي علنية تبين ماذا يمكن أن يتحقق لو تم تفعيل الشمول الجديد والخطوات المذكورة اعلاه وذلك قبل فرض تعديلات قاسية على المؤمن عليهم. عندها يصبح النقاش نقاشًا مهنيا وطنيا بالأرقام، لا مجرد خيار وحيد مفروض على الناس.