في لحظة إقليمية مشحونة بالتوترات السياسية والعسكرية، يقف الاقتصاد الأردني على ما يمكن تسميته "حافة التوازن الحرج”، حيث تتقاطع محددات الاستقرار الداخلي مع موجات عدم اليقين الخارجي. غير أن القراءة التقليدية التي تكتفي بوصف التأثر والتداعيات لم تعد كافية؛ فالأردن، بحكم تجربته التاريخية، لا يعيش الأزمات بوصفها انقطاعات، بل يتعامل معها كمسارات انتقالية يعيد من خلالها تشكيل نموذجه الاقتصادي.

تشير المؤشرات الكلية إلى صورة مزدوجة: نمو مستقر يدور حول 2.7%–2.9%، تضخم منخفض نسبياً، واستقرار نقدي واضح، يقابله في الوقت ذاته مستويات دين مرتفعة، وعجز في الحساب الجاري، وضغوط مستمرة على سوق العمل. هذا التوازن بين الاستقرار والهشاشة ليس جديداً على الاقتصاد الأردني، بل يمثل سمة بنيوية تشكلت عبر عقود من التفاعل مع الأزمات الإقليمية، من أزمة 1989، إلى حرب العراق، إلى تداعيات الأزمة السورية، وصولاً إلى جائحة كورونا.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو أن الحكومة لا تتعامل مع الأزمة كصدمة مؤقتة، بل كجزء من "نمط جديد من المخاطر المركبة”، وهو ما يفسر طبيعة الإجراءات المتخذة التي جاءت متعددة الأبعاد: مالية، صناعية، طاقوية، وصحية. هذه الحزمة تعكس تحوّلاً من سياسات الاستجابة إلى سياسات "الإدارة الاستباقية للمخاطر”، وهو مفهوم يتقاطع مع أدبيات الاقتصاد الحديث، خاصة تلك المرتبطة بنظريات "المرونة الاقتصادية” (Economic Resilience) و”إدارة الصدمات” (Shock Management).

فعلى المستوى المالي، اعتمدت الحكومة سياسة توسعية موجهة، ليست قائمة على ضخ سيولة عشوائية، بل على استهداف القطاعات الأكثر عرضة للتقلبات، مثل السياحة والطاقة. هذا النهج ينسجم مع ما طُبق في العديد من الاقتصادات خلال جائحة كورونا، حيث أثبتت التجربة أن "الدعم الانتقائي” أكثر كفاءة من التوسع الشامل في الإنفاق. أما في جانب الأمن الطاقوي، فإن تعزيز قدرة قطاع الكهرباء يمثل إدراكاً عميقاً لحقيقة أن الطاقة في الأردن ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل "متغير سيادي” يؤثر في مجمل النشاط الاقتصادي.

في المقابل، يعكس قرار حماية مدخلات الصناعات الدوائية تحولاً نحو ما يمكن تسميته "السيادة الإنتاجية”، وهو مفهوم برز عالمياً بعد اضطرابات سلاسل التوريد خلال الجائحة، حيث بدأت الدول تعيد التفكير في الاعتماد المفرط على الخارج، خاصة في القطاعات الحيوية. بهذا المعنى، لا تبدو هذه الإجراءات مجرد حلول ظرفية، بل مؤشرات على إعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد، من منظم إلى شريك استراتيجي في إدارة المخاطر.

غير أن الأهمية الحقيقية لهذه السياسات لا تكمن في مضمونها فقط، بل في توقيتها وسياقها. فالأردن، تاريخياً، لم يكن اقتصاداً يملك رفاهية "الاستقرار الطويل”، بل اقتصاداً تكيفياً بامتياز. بعد أزمة 1989، دخل في برامج إصلاح هيكلي أعادت ضبط المالية العامة. وبعد حرب العراق، أعاد توجيه بوصلته التجارية. ومع الأزمة السورية، استوعب صدمة ديموغرافية واقتصادية معقدة. وفي جائحة كورونا، سرّع من تحوله الرقمي. هذه التجارب لا تشير فقط إلى قدرة على الصمود، بل إلى نمط خاص من "التعلم المؤسسي تحت الضغط”.

في هذا السياق، يمكن قراءة السيناريوهات المستقبلية ليس فقط من زاوية النمو أو التباطؤ، بل من زاوية "قدرة الاقتصاد على إعادة التموضع”. فإذا انحسرت التوترات، قد يعود الاقتصاد إلى مسار نمو تدريجي. وإذا استمرت، سيدخل في مرحلة تكيف بطيء. أما في حال التصعيد، فسيواجه ضغوطاً مركبة. لكن في جميع الحالات، يبقى العامل الحاسم هو قدرة السياسات على الانتقال من "احتواء الأثر” إلى "إعادة تشكيل المسار”.

وهنا تبرز المفارقة الأساسية: الإجراءات الحالية قد تكون كافية لتحقيق الاستقرار، لكنها ليست كافية لتحقيق الانطلاق. فالنمو عند حدود 2.8% يضمن التوازن، لكنه لا يعالج البطالة ولا يخلق ديناميكية اقتصادية جديدة. ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل نجحت السياسات في إدارة الأزمة؟ بل: هل تستطيع تحويلها إلى نقطة انعطاف؟

الإجابة على هذا السؤال تقودنا إلى ما هو مطلوب لضمان نجاح هذه الإجراءات في تحقيق أهدافها. أولاً، لا بد من تعميق التكامل بين السياسات قصيرة الأجل والإصلاحات الهيكلية، بحيث لا تتحول أدوات الدعم إلى أعباء دائمة على المالية العامة. ثانياً، يجب تسريع التحول نحو اقتصاد إنتاجي، عبر تعزيز القطاعات ذات القيمة المضافة، خصوصاً في الصناعة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة. ثالثاً، يصبح من الضروري توسيع دور القطاع الخاص كشريك حقيقي، وليس مجرد متلقٍ للدعم، بما يضمن استدامة النمو. رابعاً، ينبغي الاستثمار في "الأمن الاقتصادي الشامل”، الذي لا يقتصر على الطاقة والغذاء، بل يشمل أيضاً الأمن المائي والرقمي. وأخيراً، يتطلب الأمر تبني نهج أكثر جرأة في جذب الاستثمارات النوعية، مستفيدين من موقع الأردن كمنصة استقرار نسبي في إقليم مضطرب.

عمليا، الأردن لا يواجه أزمة بقدر ما يواجه اختباراً لنموذجه الاقتصادي. وقد أثبت التاريخ أنه قادر على اجتياز الاختبارات الصعبة، لكن المرحلة الحالية تتطلب ما هو أكثر من الصمود: تتطلب الانتقال إلى اقتصاد لا يكتفي بالتكيف مع الأزمات، بل يوظفها كرافعة لإعادة بناء ذاته على أسس أكثر قوة واستدامة.