افتُتحت الدورة الحادية عشرة من مهرجان أفلام العلوم في موسكو بعرض فيلم "ذات مرة في لينينغراد"، الذي يستعرض حياة المخرج بافِل كلوشانتسيف وإبداعاته.
 
لم يكن فيلم "ذات مرة في لينينغراد"، من إخراج ميخائيل أرخيبوف، مجرد سرد تاريخي، بل رحلة بصرية استندت بنسبة 85% إلى لقطات أرشيفية نادرة، لتوثيق حياة رجل يُعدّ الأب الروحي للخدع السينمائية الحديثة، والذي امتد تأثيره إلى عمالقة الإخراج العالمي مثل ستانلي كوبريك، وجورج لوكاس، وريدلي سكوت.

 
واستخدم أرخيبوف تقنية اللقطات المزدوجة للمقارنة بين ابتكارات كلوشانتسيف ومشاهد أيقونية من أفلام عالمية، مثل "2001: ملحمة الفضاء" لكوبريك و"بروميثيوس" لريدلي سكوت. ويُظهر الفيلم أن منهج "المنمنمات الكبيرة" الذي ابتكره كلوشانتسيف لا يزال يشكّل حجر الزاوية في أفلام الخيال العلمي المعاصرة، بما في ذلك أعمال المخرج الكندي دينيس فيلنوف. ورغم استبدال أدواته التقليدية بتقنيات رقمية حديثة، فإن المبادئ الفنية التي أرساها لا تزال مؤثرة في الصناعة حتى اليوم.

وعلى الصعيد الشخصي، يعكس الفيلم تقلبات القرن العشرين من خلال حياة كلوشانتسيف، الذي وُلد عام 1910 وتوفي عام 1999، وعاصر أحداثًا كبرى مثل الثورة والحرب والحصار، وهي تجارب تركت بصمتها على أعماله. ورغم نجاحه الدولي، حيث اشترت 28 دولة حقوق فيلمه الشهير "كوكب العواصف" (1962)، فقد واجه لاحقا تهميشا في وطنه، ما دفعه إلى ترك السينما والتوجه نحو تأليف كتب الأطفال العلمية.

 
ولم يكن اختيار أرخيبوف لإخراج هذا العمل وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تقاطع بين العلم والفن، إذ استفاد من خلفيته الأكاديمية كخريج للجامعة العسكرية للاتصالات المتخصصة في الفضاء لفهم عبقرية كلوشانتسيف التقنية. ولتعزيز مصداقية العمل، اعتمد على مذكرات كلوشانتسيف الشخصية ومقالاته المخطوطة يدويا وغير المنشورة، ما أضفى على النص طابعا واقعيا، دعمه الأداء الصوتي للفنان فالنتين موروزوف بأسلوب يحاكي الأفلام العلمية السوفيتية، إلى جانب موسيقى ناستاسيا خروتشيفا، ليخرج الفيلم كمزيج فني يربط بين عبق الماضي ورؤية الحاضر.

ويختتم أرخيبوف فيلمه بوصف كلوشانتسيف بأنه "بطل ذو كرامة داخلية عظيمة"، مؤكدا أنه لم يكن مجرد صانع أفلام يسعى وراء الربح أو الشهرة، بل كان فنانا مخلصا لمبادئه. وفي زمن تُصاغ فيه الأفلام غالبا وفق قوالب تجارية، يبرز كلوشانتسيف نموذجا لمبدع وضع معايير تقنية وأخلاقية رفيعة، وظل وفيا لرؤيته العلمية والفنية حتى أيامه الأخيرة.

المصدر: موسكوفسكي كومسوموليتس