بينما تنشغل الصالونات السياسية، والتربوية في الأردن بجدل ساخن حول قانون التربية والتعليم الجديد الذي لا يرى فيه الخبراء إلا مراوحة في المكان، فجّر الدكتور نذير عبيدات، رئيس الجامعة الأردنية، ثورة فكرية من نوع آخر. ففي يوم كليات العلوم الإنسانية، لم يقدم عبيدات خطابا بروتوكوليا، بل وضع النقاط على الحروف في توصيف أزمة التعليم العالي، مقدّما بذلك رؤية تتجاوز لغة الأرقام، والتصنيفات العالمية إلى جوهر الإنتاج المعرفي.

لقد كان خطاب عبيدات صريحا، ومستفزا للعقول؛ فالجامعة في نظره ليست مجرد قاعات للمحاضرات، أو مطبعة للشهادات، بل هي المصنع الذي يجب أن يخرج لنا متنبّي العصر ، وعرار الجديد. إن دعوته لبعث روح طه حسين، ونجيب محفوظ في أروقة الجامعة تعني الانتقال من استهلاك الثقافة، إلى إنتاج الإبداع، حيث يصبح الطالب معها أديب الجامعة، وشاعرها لا مجرد رقْمٍ في سجلات الخريجين.

لم يُغفل عبيدات دَور علماء الاجتماع، والتاريخ، بل وجّه لهم تساؤلاتٍ جوهريةً حول غيابهم عن تفسير الظواهر المجتمعية المقلقة، كالإشاعات، والانقسامات، والتطرف. إن رؤية عبيدات تضع الأكاديمي أمام مسؤولية أخلاقية: هل أنت مجرّد ناقل للتاريخ، أم مفسّر له؟ هل أنت مراقب للمجتمع، أم مساهم في تطوير وعيه، وحماية عقول شبابه من التبعية الفكرية؟ إن هذا الفكر الجديد يضع الكُرة في مرمى الطلبة أيضا. إليكم مجموعة من المقترحات، والحلول العملية لتكونوا جزءا من هذه النهضة المعرفية:

لا تجعل هدفك الوحيد هو المعدل التراكمي. ابحث عن المنتَج المعرفي الخاص بك. إذا كنت تدرس الأدب، فليكن لك ديوان، أو مدوّنة؛ وإذا كنت تدرس الاجتماع، فليكن لك بحثٌ ميداني يفسّر ظاهرةً في محيطك. يجب تأسيس صالونات فكرية داخل الكليات (نادي الفلسفة، مختبر التاريخ، منتدى…). هذه المِنصّات هي التي تصنع خطيب الجامعة، وفيلسوفها. طالِب أساتذتك بأن تكون التقييمات مرتبطة بإنتاج حقيقي (كتابة ورقة سياسات، إنتاج فيلم وثائقي تاريخي، تصميم حل لمشكلة اجتماعية)، وليس مجرد امتحانات تعتمد على الذاكرة. لكي تكون مبدعا كما أراد عبيدات، لا تحبس نفسك في كتب تخصصك فقط. طالب العلوم يحتاج للفلسفة، وطالب الهندسة يحتاج لعلوم الاجتماع. فالرؤية الشمولية هي التي تصنع المفكر. لقد وضع الدكتور نذير عبيدات الجميع أمام تحدٍّ وجودي: إما أن نكون صنّاعا للمستقبل، أو نكتفي بإعادة إنتاج الماضي. إن قيمة الطالب اليوم لم تعُد تقاس بما يَحفَظ، بل بما يضيفه من معرفة، وما يمتلكه من عقل حرّ قادر على التساؤل، والتحليل. لن تمتلك الجامعات الجرأة الكافية للتغيير إلا إذا تحرر القرار التربوي من قبضة الجمود التشريعي. أمّا إذا ظل قانون التربية والتعليم الجديد كما وصفه ذوقان عبيدات بلا روح، وبلا ابتكار، فستظل الجامعة مكبّلة، بوصف أن التغيير يبدأ عندما نؤمن أن سوق العمل، وحاجة المجتمع لم تعُد تعترف بالعلامة، بل تعترف بـ : ماذا تستطيع أن تفعل. عندها ستُضطر الجامعات للبدء بالخطوة الجريئة الأولى نحو التغيير ، ليس من أجل الرغبة فحسب، بل من أجل البقاء.

إن الرؤية العملية التي يقوم عليها فِقهُ الاقتصاد الحديث، تمثل التزاوج المدروس بين الاقتصاد، ورأس المال البشري المؤهل؛ فلا قيمة للمال بلا عقول تديره، ولا جدوى من عقول بلا إمكانات تحتضنها لفهم فلسفة النجاح. فالنجاح ليس في جودة المنتَج فحسب، بل في النظام الذي يجعل من العنصر البشري مكملا للآلة، والمال. هذا التناغم هو ما يحوّل المؤسسة من مجرد مشروع تجاري إلى علامة فارقة في النمو الاقتصادي، جامعة تصنع المعرفة، ولا تكتفي باستهلاكها.

وقد التقط الدكتور ذوقان عبيدات (المفكر التربوي) هذا الخيط محذّرا من جمود التشريعات التي تعود للستينات، والتي تحاول وأدَ هذا الفكر الإبداعي لصالح الحفظ والعلامة. إن التعليم يجب أن لا ينتهي بمنح شهادة لانتظار الوظيفة، بل يجب أن يصب في مختبرات الابتكار التي تنتِج مشاريعَ صغيرةً قائمة على مخرجات البحث العلمي. وتحويل مشاريع التخرج إلى شركات ناشئة (Startups) تنافس عالميّا..

لقد آن الأوان ليتوقف الطلاب عن الاصطفاف في طوابير العاطلين، ويبدأوا في الاصطفاف أمام بوابات الابتكار، مدعومين بأساتذة ملهَمين، وتشريعات مرِنة، وسوق عمل يقدر ماذا تستطيع أن تفعل لا ماذا استطعت أن تحفظ.
هذا هو القتال الحقيقي الذي يخوضه التربويون اليوم: معركة من أجل مستقبل لا مكان فيه للجمود.
إن نجاح فكرة ما، أو فشلها يعتمد على عوامل ثلاثة هي:
-هل الفكرة هي نهاية، أم بداية لتداعيات قادمة؟
-هل يمكن للفكرة أن تسوّق ذاتها، أم تحتاج لسلطة تنفيذية؟
-هل الفئة المستهدفة قابلة للأفكار، أم محايدة، أو رافضة؟
وأخيرًا
هل يمكن أن تنجح الفكرة من دون تسويق إعلامي؟!!