في مرحلة ما من الطفولة، يوجه اللوم إلى معظمنا بسبب طريقة جلوسنا، بكلمات مثل: "لا تضع رجلا على أخرى، ستتلف ركبتيك"، أو "ستصاب بدوالي الساقين"، أو "اجلس بشكل صحيح واستقم".
لكن الحقيقة أن الجلوس بوضع الرجل على الأخرى ليس ضارا لمعظم الناس. فالأدلة العلمية لا تثبت أنه يضر الظهر، أو يؤذي مفاصل الورك والركبة، أو يسبب دوالي الساقين.
فالمشكلة الأكبر ليست في هذا الوضع تحديدا، بل في البقاء فترة طويلة على وضعية واحدة، أيا كانت، ما يسبب التيبس أو الألم. وكثيرا ما نظن أن هذا الانزعاج يعني وجود ضرر بالجسم، لكنه في الحقيقة مجرد إشارة لتغيير الوضع.
ويعود أصل فكرة أن الجلوس بوضع الرجل على الأخرى ضار إلى مفاهيم قديمة عن القوام، حيث كان الجلوس "الصحيح" يعتبر دليلا على الانضباط وحسن الخلق. وبمرور الوقت، تحولت هذه القواعد الاجتماعية إلى ما يشبه الحقائق الطبية، رغم أنها لم تكن مبنية على أدلة علمية قوية. وساهم في ترسيخ هذه الفكرة أيضا الخلط الشائع بين الشعور بعدم الارتياح والضرر الفعلي، فالشعور بالتصلب أو الانزعاج بعد الجلوس فترة ليس دليلا على أنك تؤذي جسدك، بل هو مجرد إشارة طبيعية لتغيير الوضع.
واليوم، يتخلى التفكير الحديث في القوام والألم عن فكرة وجود وضعية "مثالية" واحدة. فالمشكلة الحقيقية ليست في وضعية معينة، بل في الثبات على أي وضعية لفترة طويلة، سواء أكان ذلك بوضع رجل على أخرى، أو بالجلوس باستقامة تامة، أو بالانحناء على الكمبيوتر.
أما بخصوص الوركين والركبتين، فالأدلة المتاحة لا تدعم أن وضع الرجل على الأخرى يسبب تآكلهما. فمفاصل الورك والركبة تتحمل قوى أكبر بكثير أثناء صعود الدرج، أو الجري، أو حمل الأغراض الثقيلة. ومجرد تغير زوايا المفصل لفترة قصيرة لا يعد دليلا على التسبب بالتهاب المفاصل أو أي ضرر دائم. ولهذا، تركز الإرشادات الطبية لصحة المفاصل على النشاط البدني، وتقوية العضلات، والحفاظ على وزن صحي، وليس على تجنب وضع جلوس عادي مثل وضع الرجل على الأخرى.
وباختصار، إذا كان هذا الوضع مريحا لك، فلا مانع من استخدامه، وإذا شعرت بتيبس أو عدم ارتياح، فكل ما عليك فعله هو تغييره ببساطة.
أما دوالي الساقين، فهي تحدث بسبب خلل في صمامات الأوردة، وتتعلق بالعمر والوراثة والحمل والسمنة والوقوف الطويل، وليس بالجلوس بوضع الرجل على الأخرى، الذي قد يغير تدفق الدم مؤقتا فقط.
ومع ذلك، هناك استثناءات نادرة، مثل فترة التعافي بعد عملية استبدال مفصل الورك، حيث ينصح أحيانا بتجنب هذا الوضع لفترة قصيرة. لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن هذه الاحتياطات قد تكون مبالغا فيها لدى كثير من المرضى.
كما أن الشعور بالتنميل أو "الوخز" (مثل الدبابيس والإبر) بعد الجلوس الطويل أمر طبيعي يزول بالحركة، وهو مجرد تنبيه لتغيير الوضع، وليس دليل ضرر.
ويشير الخبراء الصحيون إلى أن تنويع الحركة أهم من الكمال في الوضعية، بمعنى اجلس كما تشعر بالراحة، ثم غير وضعك، وتحرك، وقف، وتمش.
وأكثر وضعية جلوس صحية هي التي لا تثبت عليها طوال الساعة التالية. تحرك أكثر، ونوع أوضاعك، وتذكر أن جسمك أقل هشاشة مما كنت تعتقد.
المصدر: ميديكال إكسبريس