قال المحلل السياسي كاظم ماهر الكعبي إن فشل المفاوضات التي جرت في إسلام آباد يعود إلى ما وصفه بـ"الانفصال الاستراتيجي" الذي دخلت به واشنطن هذه الجولة، مؤكداً أنها حاولت عبر التفاوض تحقيق ما عجزت عن انتزاعه خلال الحرب.
وأوضح الكعبي في تعليقه على إعلان فشل المفاوضات أن الولايات المتحدة طالبت خلال المفاوضات بتسليم مخزون اليورانيوم المخصّب، والسعي لفك القيود عن الطاقة في مضيق هرمز، إضافة إلى الإصرار على عزل لبنان عن أي معادلة لوقف إطلاق النار، معتبراً أن ذلك شكّل "خطأً أمريكياً قاتلاً".
وأشار إلى أن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس "تجاهل أن التفاوض ليس قائمة أمنيات"، بل هو انعكاس مباشر لنتائج الميدان، لافتاً إلى أن إيران لم تدخل المفاوضات من موقع ضعف، بل من موقع "القوة التي فرضت معادلة الكلفة عبر الصمود وهرمز".
وبيّن الكعبي أن جوهر الخلاف لم يكن تقنياً، بل يتعلق بمحاولة "إعادة كتابة نتائج الحرب بلغة أمريكية ورؤية إسرائيلية"، مؤكداً أن طهران رفضت ذلك، وليس مجرد عرض فني محدود.
وأضاف أن المفاوضات تمحورت حول ثلاث قضايا مترابطة: لبنان، والملف النووي، ومضيق هرمز، موضحاً أن واشنطن حاولت فصل هذه الملفات، بينما أصرت إيران على ترابطها ضمن مفاهيم السيادة والردع ومحور المقاومة.
واعتبر أن الولايات المتحدة دخلت المفاوضات "لتجميل النتيجة لصالحها وصالح تل أبيب"، مشيراً إلى أن الأجندة الأمريكية حملت في جوهرها أهدافاً إسرائيلية، حيث سعت إسرائيل إلى إخراج لبنان من الاتفاق، والحفاظ على حرية عمل جيشها جنوباً، وانتزاع تنازلات في ملفي النووي وهرمز.
وأكد الكعبي أن هذا التوجه أدى إلى تعقيد المفاوضات، مشدداً على أن إيران لم تكن مستعدة لتقديم "جائزة تعويضية" لكل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو بعد المواجهة.
ولخّص أسباب الفشل بعدة نقاط، أبرزها: اعتقاد واشنطن أن الحرب أضعفت إيران، مقابل دخول طهران بعقلية الصمود، وتمسك الولايات المتحدة بمطالب ما قبل الحرب، ورفض إيران التنازل عن لبنان وهرمز والنووي، إضافة إلى بقاء وقف إطلاق النار دون تحقيق اختراق سياسي.
وأشار إلى أن الفشل يعكس "انسداداً استراتيجياً" لدى واشنطن، موضحاً أن خياراتها أصبحت محدودة، بين تكرار الفشل دبلوماسياً، أو الظهور بمظهر العاجز، أو المخاطرة بتصعيد عسكري قد يؤدي إلى توسيع الحرب إقليمياً، خصوصاً على صعيد أسواق الطاقة والممرات البحرية.
وأضاف أن الولايات المتحدة تدرك أن الضربات العسكرية لن تحسم المعركة، وأن أي تصعيد بري يحتاج إلى وقت لم يعد متاحاً، خاصة بعد ما وصفها بـ"حادثة أصفهان"، في حين تمتلك إيران القدرة على توسيع نطاق الصراع.
وأكد الكعبي أن ما جرى في إسلام آباد لم يكن تفاوضاً بين طرف منتصر وآخر مهزوم، بل بين واشنطن التي تحاول ترميم موقفها، وطهران التي ترى أنها خرجت من المواجهة بما يكفي لرفض الشروط الأمريكية.
وشدد على أن إيران تفاوض من موقع يؤكد أن "المعادلة تغيّرت"، وأن أي مفاوضات قادمة يجب أن تنطلق من هذه الحقيقة.
وختم بالقول إن النتائج التي تفرض نفسها تتمثل في عدم التنازل عن لبنان أو هرمز أو الملف النووي، والمطالبة بالإفراج عن الأموال المجمدة ودفع التعويضات، ورفض بقاء القوات الأمريكية بصيغتها السابقة، مؤكداً أن قاعدة "إيران أولاً" باتت تحكم الواقع الجديد، مقابل فشل نهج "إسرائيل أولاً" الذي دخلت به واشنطن إلى المفاوضات.