الإجهاض المتكرر، وهو فقدان الحمل لمرتين أو أكثر، يمثل تحديًا عاطفيًا وجسديًا للعديد من الأزواج. وفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية، يؤثر الإجهاض على ما يقرب من 10-15% من حالات الحمل المعروفة. بينما تحدث معظم حالات الإجهاض بشكل عشوائي بسبب عوامل مثل التشوهات الكروموسومية، فإن الإجهاض المتكرر يستدعي تقييمًا شاملاً لتحديد الأسباب الكامنة وراءه وتقديم العلاج المناسب.

ما هو الإجهاض المتكرر؟

يعرف الإجهاض بأنه فقدان الجنين قبل الأسبوع العشرين من الحمل. تشير الإحصائيات إلى أن حالة واحدة من كل خمس حالات حمل مؤكدة تنتهي بالإجهاض. قد تتعرض بعض النساء للإجهاض دون أن يدركن حتى أنهن حوامل. هناك أنواع مختلفة من الإجهاض، مثل الإجهاض المهدد، والإجهاض الحتمي، والإجهاض الكامل، والإجهاض غير الكامل. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر البعض الحمل خارج الرحم والحمل العنقودي من أنواع الإجهاض أيضًا. أما الإجهاض المتكرر، فيعرف بفقدان الحمل مرتين أو أكثر، وتُقدر نسبة النساء اللاتي يعانين من هذه الحالة بحوالي 1%. غالبًا ما تكون أسباب الإجهاض المتكرر غير معروفة في 50-75% من الحالات.

أسباب الإجهاض المتكرر

هناك عدة عوامل وأسباب يمكن أن تؤدي إلى الإجهاض المتكرر، ومن أهمها:

  • عمر الأم: تزداد احتمالية الإجهاض مع تقدم عمر المرأة، وكذلك مع تقدم عمر الرجل. يرتفع خطر الإجهاض بشكل ملحوظ عندما تتجاوز المرأة 35 عامًا والرجل 40 عامًا. يعزى ذلك إلى عدة أسباب، منها زيادة احتمالية وجود اضطرابات في الكروموسومات لدى الأجنة نتيجة لانخفاض جودة البويضات، أو انخفاض وظيفة الرحم والمبيض لدى المرأة.
  • تشوهات الرحم: قد تكون التشوهات مكتسبة أو وراثية، ويمكن تشخيصها من خلال التصوير بالرنين المغناطيسي أو التنظير الرحمي.
  • اضطرابات الكروموسومات: تشكل هذه الحالات ما نسبته 3-6% من حالات الإجهاض المتكرر.
  • الأسباب المناعية والمناعية الجينية: تبين وجود أجسام مضادة ذاتية يفرزها الجهاز المناعي عن طريق الخطأ، مثل مضاد الفوسفولبيد، والجسم المضاد للنواة، والجسم المضاد للدرقية، في أجسام النساء اللاتي يعانين من حالات الإجهاض المتكرر. مثال على أمراض المناعة الذاتية المتعلقة بتكرار الإجهاض: متلازمة مضاد الفوسفولبيد.
  • فرط الخثورية: المعروف أيضًا بأهبة التخثر، قد تكون هذه الحالة وراثية أو مكتسبة. يمكن تفسير تأثير فرط الخثورية في حدوث الإجهاض بتسببه في زيادة خطر تكوين الجلطات في الأوعية المشيمية الوليدة، مما يؤدي إلى احتشاء المشيمة.
  • الأسباب المتعلقة بالغدد الصماء: مثل قصور الغدة الدرقية ومتلازمة تكيس المبايض.
  • تكسر الحمض النووي للحيوانات المنوية: ارتفاع مستوى هذه الحالة يؤثر في جودة السائل المنوي، وهناك ارتباط وثيق بين أضرار الحمض النووي في الحيوانات المنوية وحدوث الإجهاض.
  • أنماط الحياة: مثل شرب الكحول والتدخين.
  • التعرض للعدوى: قد تؤدي الإصابة بداء الليستريات، أو داء المقوسات، أو أحد أشكال العدوى الفيروسية إلى فقدان حمل واحد. وقد تؤدي الإصابة بالملاريا، أو الزهري، أو البروسيلا إلى حدوث الإجهاض المتكرر.
  • العوامل المتعلقة بالمبيض: يُعتقد أن حدوث اضطراب في المرحلة الأصفريّة (أقل من 11 يومًا) قد يلعب دورًا في المعاناة من الإجهاض المتكرر.

تشخيص الإجهاض المتكرر

لتحديد سبب الإجهاض المتكرر، يقوم الطبيب بمراجعة التاريخ الطبي للمريضة والأمور المتعلقة بالأحمال السابقة، بالإضافة إلى إجراء فحص جسدي كامل، بما في ذلك فحص الحوض. إذا اشتبه في أن الاضطرابات الوراثية هي السبب، يتم إخضاع الشريكين لفحص النمط النووي لتحديد وتقييم حجم وشكل وعدد الكروموسومات في عينة من خلايا الجسم. في حال الاشتباه بوجود مشكلة في الرحم، تُجرى اختبارات التصوير كالتصوير بالرنين المغناطيسي أو الموجات فوق الصوتية. تقنية تصوير الرحم بالصبغة تساعد في تحديد ما إذا كانت المرأة تعاني من مشاكل في شكل الرحم. قد يطلب الطبيب أيضًا اختبارات الدم للكشف عن مشاكل في الجهاز المناعي، مثل الإصابة بمتلازمة مضاد الفوسفولبيد.

علاج الإجهاض المتكرر

في الحالات التي يتم فيها تحديد السبب الكامن وراء الإجهاض المتكرر، يعتمد العلاج على السيطرة على المسبب والتخلص منه. تتضمن الطرق العلاجية تغييرات في نمط الحياة، والخيارات الدوائية والجراحية، بالإضافة إلى احتمالية إجراء الاختبارات الجينية لزيادة فرصة نجاح الحمل. لا تقتصر خطة العلاج على زيادة فرصة نجاح الحمل فحسب، بل تتعدى ذلك إلى تقليل خطر إصابة المرأة بالإجهاض في المستقبل. تجدر الإشارة إلى أن فرصة نجاح حدوث الحمل واستمراره قد تتراوح بين 60-80% حتى بعد ثلاث حالات إجهاض.

تغييرات في نمط الحياة

تشمل الإقلاع عن التدخين، والامتناع عن تعاطي المخدرات والكحول، والحد من تناول الكافيين، مع الحرص على الحفاظ على وزن صحي.

الخيارات الجراحية

قد يُلجأ إليها في حال وجود مشاكل في الرحم، بما فيها ألياف الرحم.

العلاج الدوائي

عادة ما يتمثل بصرف الأسبرين أو الهيبارين في الحالات التي تكون فيها الإصابة باضطرابات المناعة الذاتية هي السبب وراء حدوث مشكلة الإجهاض. تقديم العلاج المناسب في حالات اضطراب مستويات السكر في الدم، أو مشاكل الغدة الدرقية، أو الاضطرابات الهرمونية قد يعزز احتمالية حدوث حمل صحي واستمراره. قد تُساعد على ذلك الأدوية المنشطة لمستقبلات الدوبامين في الدماغ أو مكملات البروجسترون.

الخلاصة

الإجهاض المتكرر يمثل تحديًا معقدًا يتطلب تقييمًا شاملاً لتحديد الأسباب المحتملة. من خلال التشخيص الدقيق والعلاج المناسب، يمكن تحسين فرص الحمل الناجح وتقليل المخاطر المستقبلية. الدعم العاطفي يلعب دورًا حيويًا في مساعدة الأزواج على تجاوز هذه التجربة الصعبة.