شجرة الدر، شخصية تاريخية بارزة في العصر الأيوبي والمملوكي، تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ مصر. في فترة مضطربة، تميزت بالصراعات الداخلية والخارجية، استطاعت هذه المرأة الذكية والطموحة أن تتبوأ مكانة مرموقة، بل وتعتلي عرش السلطنة. حكمت شجرة الدر مصر في فترة انتقالية حرجة، مما يضعها في بؤرة اهتمام المؤرخين والباحثين على مر العصور.
من هي شجرة الدر؟
شجرة الدر، أو عصمة الدين أم خليل، كانت جارية ذات أصول تركية أو أرمينية. اشتراها السلطان الصالح نجم الدين أيوب وأعجب بذكائها وجمالها. حظيت بمكانة عالية عنده حتى أعتقها وتزوجها، وأنجبت منه ابنهما خليل الذي توفي صغيراً.
نشأة شجرة الدر
ولدت شجرة الدر مسيحية في أرمينيا الجبلية، لكنها نشأت في القاهرة واعتنقت الإسلام. اختُطفت وبيعت في سوق النخاسة، ثم اشتراها السلطان الصالح نجم الدين أيوب. بعد ذلك، لم تعد لها صلة بعقيدتها القديمة.
شجرة الدر والملك الصالح نجم الدين أيوب
بسبب شجرة الدر، ترك السلطان زوجته وأم ولده توران شاه. المؤرخون اختلفوا حول جنسية زوجته الأولى، لكن من الواضح أن الصالح نجم الدين وقع في حب شجرة الدر، مما دفعه إلى إعتاقها والزواج منها. بعد وفاة زوجته الأولى، أصبحت شجرة الدر هي الوحيدة في قلبه، وأحبته حباً شديداً، وتوج هذا الحب بميلاد ابنهما خليل.
شخصية شجرة الدر القيادية
كانت شجرة الدر امرأة قوية وشجاعة وجريئة، تتمتع بعقل مدبر وحكمة شديدة. كانت لديها قدرة كبيرة على القيادة والإدارة، ورأت في نفسها الملكة القادرة على حكم البلاد وإدارتها.
شجرة الدر ملكة على مصر
تولت شجرة الدر عرش الحكم في مصر لمدة ثمانين يوماً بعد وفاة زوجها السلطان الصالح أيوب، وذلك بمبايعة المماليك وأعيان الدولة لها. ثم تنازلت عن العرش لزوجها المعز أيبك التركماني.
مرافقة شجرة الدر لزوجها في الحكم
بعد وفاة الملك الكامل، انتقل الحكم إلى ابنه الأصغر سيف الدين أبو بكر (الملك العادل الثاني). لكن الصالح نجم الدين أيوب، الذي كان حاكماً لحصن كيفا، رأى أن العرش من حقه. فصحب زوجته شجرة الدر وابنه وجارية أخرى اسمها مرجانة، وتوجه نحو الجنوب مع جيش صغير. في طريقه، قبض عليه الناصر داود ابن عمه ووضعه في سجون قلعة الكرك لمدة سبعة أشهر.
لاحقاً، اتفق الناصر نجم الدين على استقلال الناصر بحكم الشام، وانتزاع نجم الدين الحكم من أخيه. بعد ذلك، توجه نجم الدين وزوجته وابنه ومرجانة إلى مصر، وخلع نجم الدين أخاه سيف الدين عن الحكم. في عام 637هـ، قتله خنقاً وحكم مصر بشكل كامل. عندها أصبحت شجرة الدر صاحبة الكلمة العليا في شؤون الدولة.
توفى ابنها خليل، ثم توفي زوجها نجم الدين في عام 647هـ، في وقت كانت فيه الحروب مشتعلة بين المصريين والصليبيين. تصرفت شجرة الدر بحكمة وأخفت نبأ وفاة زوجها عن الجيش والشعب المصري، وواصلت التصرف في أمور البلاد بالاستعانة بالمقربين منها. حققت انتصارات كبيرة على الجيوش الفرنسية وصدتهم.
استدعت شجرة الدر توران شاه للحكم، وعند وصوله أعلنت خبر وفاة نجم الدين. إلا أن توران شاه أساء معاملة شجرة الدر والأمراء، مما أدى إلى التآمر عليه وقتله.
جلوس شجرة الدر على العرش
بموت توران شاه، انقرضت أسرة الأيوبيين في مصر. بايع الأمراء ورجال الدولة شجرة الدر لتكون أول ملكة تجلس على العرش في التاريخ الإسلامي. وكان لقبها الملكة عصمة الدين.
زواج شجرة الدر مرة أخرى ونهايتها
عند تولي شجرة الدر العرش، جاءت ردود الفعل غاضبة ورافضة لأن تتولى العرش امرأة. فتزوجت من الأمير عز الدين أيبك التركماني. لاحقاً، قرر أيبك الزواج من ابنة حاكم الموصل، مما أغضب شجرة الدر فقتلته. ثم هب أنصار عز الدين أيبك ثائرين على شجرة الدر وسجنوها. ثم نادوا بابن عز الدين ملكاً على مصر والشام. فقامت شجرة الدر بقتله.
مقتل شجرة الدر
تعددت الروايات حول مقتل شجرة الدر، لكن أشهرها يقول إن أم نور الدين طلبت من المماليك أن يقتلوا شجرة الدر، فضربنها الجواري بالقباقيب حتى ماتت.
الخلاصة
شجرة الدر، شخصية محورية في تاريخ مصر، تجسد مزيجًا من الذكاء والطموح والقدرة على القيادة. تركت بصمة واضحة في فترة حكمها القصيرة، وأثارت فضول المؤرخين والباحثين على مر العصور. قصة صعودها وسقوطها تبقى مثالاً على قوة الإرادة والتحديات التي تواجهها المرأة في السلطة.