المغرب - قد يبدو من الوهلة الأولى أنه من الغرابة بمكان أن نجعل مسألة تقويض المألوف قضية درس و تحليل في حين أنها مسألة - في نظر غير الباحث المدقق - غاية في التجريد و بعيدة كل البعد عن القضايا التطبيقية التي لها علاقة بالمفيد في حياتنا اليومية فما حاجتنا لتناول مثل هاته المسائل الشائكة و الإشكالية المغرقة في التجريد؟

بوضعنا قضية الخروج عن المألوف تحت مجهر البحث يتبدى شيئا فشيئا الأهمية البالغة التي تلعبها مثل هاته المسألة في حياتنا اليومية، و ذلك التأثير الإيجابي البليغ الذي يمكن أن يحدثه تقويض المألوف بين صفوف أفراد المجتمعات.

يربط الباحث هيثم ممتاز بين الابتكار و الخروج عن المألوف حيث لا يجد مرادفا للثاني غير الأول، و هو في ذلك قد أصاب فعلا، و يسترسل بذكر نماذج من التاريخ قوضوا المألوف فخرجوا لنا بابتكارات و اكتشافات هائلة غيرت ليس فقط من مجتمعاتهم بل حال الإنسانية أجمع؛ لا أدل على ذلك مثلا من أديسون الذي غير مجرى البشرية جمعاء من اعتمادهم على الاستضاءة تحت ضوء الشموع عند العتمة الى الاستنارة بنور المصباح؛ دون أن ننسى مثلا جراهام بيل الذي قوض مألوفنا بالتواصل عبر الرسائل الورقية الى التواصل الصوتي عبر الهاتف....الخ.1.

فإذا كان لتقويض المألوف هذا الأثر البليغ في توليد الابتكار و تعصير غير المتداول من بديع الأفكار فهل تفطن الدين من جهة و الثقافة من جهة أخرى الى هذا المبدأ العظيم و دعوا اليه؟

لا شك أن شهر الصيام و ما يحفل به من عبادات غير مألوفة طيلة السنة من تغيير لنظام الأكل و الشرب و إكثار من العبادة و التهجد يرمي الى نفس المرمى و المقصد؛ يذهب د حسين حسين شحاته الأستاذ بجامعة الأزهر أن في هذا الشهر الفضيل بخروجه عن مألوف العبادات ترويض للنفس البشرية على مجموعة من الأخلاق الحميدة التي تسهم في ترقية أساليب حياته، و يضرب على ذلك أمثلة منها التدريب على التطوع بالمال (زكاة الفطر ، كفارة المفطر...) و لا يخفى على نبيه ما للتطوع من فوائد اجتماعية، و كذا التدريب على الكبح من شهوة الجماع و ما فيه من تقوية للعزيمة، كما أن الدعوة الى الإكثار من التهجد في الثلث الأخير من الليل فيه دعوة ريحة الى استغلال جزء من وقت النوم في المفيد من الأعمال...الخ.2.

وإن قلبنا زاوية تركيز مجهر البحث من ضفة الدين الى ضفة العلم و الثقافة و الفكر سنعثر على رأي منظر الأدب الروسي فيكتور شكولوفسكي (1989) الذي يرى في تقويض المألوف متعة و إثارة أكثر بالحياة و نفس جديد بفضل النظرة الجديدة للأشياء المألوفة ويضرب مثلا على ذلك بما للفن من دور بليغ في من تحسيسنا بالصدمة _إنجاز التعبير_ حتى لا نعود مجرد ضحية للعادة و الألفة إذ في نظره بقدر ما يصبح الإدراك اعتياديا بقدر ما يصبح آليا.3.

من هنا يتبدى لنا سبب اهتمام الانسان الغربي بالفن، نظرا لأنه يفهم المغزى منه، و إن تبدى لقليل الذوق الفني أن معظم الأعمال الفنية ضرب من الترف و أن ما يصرف من أجلها من أموال نوع من التبذير، في حين أن شكولوفسكي يوضح في كتابه النقد الثقافي أن تقنية الفن في نظره هو أن يجعل الأشياء الاعتيادية غير مألوفة، و أن يجعل الأشياء مبهمة أكثر لتصعب مهمة إدراكها، ذلك أن فعل الإدراك في الفن عند غاية في ذاتها.

وكأني برأي شكولوفسكي الرائع هذا، عن الفن و ربطه له بتقويض المألوف ، يبدي لنا سلعتنا الغالية من حكمة الشارع الحكيم فيجعلنا نرى قوانين الشريعة فنا راقيا يتجلى في لوحة شرائعية بديعة غرضها تحفيز الابتكار في العقل الإسلامي في حين تأبى مكوناته محبة الخمول الفكري لألفتها به فما أحوجنا الى فن يقوض مألوفاتنا.


الهوامش.
1، انظر هيثم ممتاز، كن خارجا عن المألوف، مقال كلاود، 10 غشت 2010.
2، انظر حسين حسين شحاتة، الصيام و التربية الروحية. موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بتصرف.
3، أرثر إيزابرجر، النقد الثقافي. المشروع القومي للترجمة، ترجمة وفاء إبراهيم رمضان بسطاويسي