كتب زياد فرحان المجالي
تعيش منطقة الشرق الأوسط لحظة إعادة تشكيل عميقة في خرائط الردع والتحالفات، حيث لم تعد المواجهة الإيرانية ـ الإسرائيلية محصورة في ساحات الاشتباك التقليدية، من جنوب لبنان إلى مضيق هرمز، بل أخذت تمتد نحو البحر الأحمر والقرن الأفريقي وشرق المتوسط. وما يجري اليوم لا يمكن قراءته كأحداث منفصلة، بل كجزء من إعادة هندسة إقليمية تتجلى في سباق السيطرة على الموانئ، وتوسيع الحضور العسكري قرب الممرات البحرية، وبناء ترتيبات أمنية جديدة حول هرمز وباب المندب وشرق المتوسط.
في ذروة التصعيد، بدا أن خيار الضربة الأميركية الواسعة ضد إيران كان مطروحاً بجدية، خصوصاً مع الحديث عن منشآت ومواقع حيوية تمس قدرة طهران على تصدير النفط وإدارة مواردها الاستراتيجية. غير أن التراجع عن الذهاب إلى مواجهة مفتوحة لم يكن تفصيلاً عابراً، بل كشف أن مضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية ما زالا قادرين على فرملة القرار العسكري الأميركي، مهما بلغ منسوب التصعيد.
لقد لعبت الاتصالات الخليجية، ولا سيما القطرية والإماراتية، إلى جانب الوساطة الباكستانية، دوراً في تبريد اللحظة الأكثر خطورة. فالعواصم الخليجية باتت تدرك أن الخطر لم يعد في قوة إيران وحدها، بل في احتمال انهيار التوازن كله إذا اندفعت المنطقة إلى حرب شاملة. فإغلاق هرمز، أو ضرب شريان نفطي حساس، أو دفع طهران إلى رد غير محسوب، كفيل بتحويل الأزمة من مواجهة عسكرية محدودة إلى زلزال اقتصادي وأمني عالمي.
في المقابل، تدرك إسرائيل أن القيود الأميركية على الحرب المفتوحة تدفعها إلى البحث عن عمق بديل خارج الجبهات التقليدية. ومن هنا تبرز أهمية القرن الأفريقي والبحر الأحمر في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. فالتوجه نحو تعزيز الحضور قرب باب المندب وخليج عدن، سواء عبر علاقات أمنية أو استخباراتية أو ترتيبات غير معلنة، يعكس رغبة إسرائيلية في الاقتراب من خاصرة الحوثيين، ومراقبة خطوط الإمداد، وتوجيه رسالة إلى إيران بأن الممرات البحرية لن تبقى ورقة ضغط أحادية.
لكن هذا التحرك لا يمر بلا أثمان. فالقرن الأفريقي ليس فراغاً جغرافياً، بل منطقة شديدة الحساسية تتقاطع فيها مصالح مصر وتركيا والإمارات وإثيوبيا والسعودية والصومال، فضلاً عن ارتباطه المباشر بأمن البحر الأحمر وقناة السويس. ومما يذكي هذا الصراع، تلك التحركات المتسارعة لعقد مذكرات تفاهم واتفاقيات موانئ وقواعد عسكرية في مناطق مثل أرض الصومال وسواحل إريتريا؛ إذ لم تعد هذه الاتفاقيات مجرد ترتيبات ثنائية، بل تحولت إلى أدوات استقطاب دولي وإقليمي تهدف إلى عسكرة السواحل المقابلة لباب المندب، وتحويل الإقليم إلى حزام أمني متقدم. وأي حضور إسرائيلي هناك سيُقرأ في القاهرة وأنقرة ومقديشو بوصفه محاولة لإعادة رسم ميزان القوى على بوابة واحدة من أخطر الممرات البحرية في العالم.
في هذا السياق، تكتسب المناورات والتفاهمات العسكرية المصرية ـ التركية دلالة تتجاوز التدريب الفني. فالتقارب بين القاهرة وأنقرة، بعد سنوات من التباعد، يحمل رسالة واضحة بأن شرق المتوسط والبحر الأحمر لم يعودا ساحتين مفتوحتين لتحركات أحادية. وإذا تطور هذا التقارب إلى تنسيق أوسع في ملفات الطاقة والممرات والأمن البحري، فإنه قد يخلق توازناً جديداً يحد من قدرة إسرائيل على الانفراد بهندسة الإقليم من جنوب المتوسط إلى باب المندب.
المفارقة أن المنطقة لا تتجه بالضرورة إلى حرب شاملة، لكنها تدخل مرحلة أخطر: مرحلة الردع المتعدد. فإسرائيل تبحث عن قواعد متقدمة وعمق استخباراتي بعيد، وإيران تحاول تثبيت أوراقها في هرمز واليمن ولبنان، ودول الخليج تمارس دبلوماسية منع الانفجار، بينما تتحرك مصر وتركيا لبناء هامش ردع يحمي مصالحهما في المتوسط والبحر الأحمر. هنا لم تعد قواعد الاشتباك تعني تبادل النار فقط، بل باتت تشمل التحكم بخطوط الملاحة، وإغلاق أو فتح الممرات، وتوظيف الموانئ والقواعد والاتفاقيات الأمنية كأدوات ضغط وردع.
الخلاصة أن الشرق الأوسط يقف أمام معادلة جديدة. لم تعد القوة تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو الطائرات، بل بالقدرة على التحكم بالممرات، وبناء التحالفات، ومنع الخصم من تحويل الجغرافيا إلى سلاح. وبين هرمز وباب المندب وشرق المتوسط، تتشكل معادلة ردع معقدة عنوانها: لا حرب مفتوحة بلا كلفة عالمية، ولا سلام مستقر بلا توازن إقليمي جديد.
